أخطار انتشار «البكتيريا» الطائفية في الساحة السياسية المصرية

لا تعرف الدول العربية المتعددة الأحزاب والحركات السياسية حضوراً فاعلاً ومؤثراً إلا لمؤسسة الحكم وحزبها إذا وُجد من ناحية، والإسلام السياسي من ناحية أخرى. وما عدا ذلك يبقى استثناء آخذًا في التراجع يوما بعد يوم.فالأحزاب والحركات الليبرالية واليسارية والقومية العربية بتنوعاتها المختلفة توجد في هامش صغير. وبالرغم من أنها، أو بعضها، تتمتع بنفوذ معنوي في أوساط النخب الثقافية بصفة خاصة، فقد صار وزنها خفيفا لا يكفي لترجيح إحدى القوتين الرئيسيتين على الأخرى، ولا لشغل جزء يُعتد به في المساحة بينهما.وفي مصر يأمل قادة حزب «الوفد» الإصلاحيون في استعادة دوره بعد التحرر من رئيسه السابق الذي كبل حركته لسنوات. ولكن شغل المساحة التي صارت واسعة في مصر بين الحكم و»الإخوان» يحتاج إلى وقت، فيما بدأت «بكتيريا» سياسية وطائفية ضارة تظهر في هذه المساحة التي ركدت مياهها وتلوثت أجواؤها. ويزداد خطر انتشار هذه «البكتيريا» كلما ازداد الاستقطاب بين الحكم والإسلاميين. والاتجاه في دول عربية عدة، وفي مقدمها مصر، هو إلى مزيد من هذا الاستقطاب الذي يهدد فرص التطور الديموقراطي، أو على الأقل يضعفها. فالاستقطاب بطابعه هو سيناريو سيئ في أي مجتمع يتحول إلى الديموقراطية. وإذا كان هذا الاستقطاب بين قوتين فقيرتين في ثقافتهما الديموقراطية، نصبح إزاء سيناريو أسوأ. وربما نقترب من السيناريو الأسوأ، من منظور فرص التحول الديموقراطي، في حال وجود عداء متبادل بين هاتين القوتين. وهذه هي حال مصر، بخلاف الأردن مثلاً.في مصر لا يعترف الحكم نظاماً وحكومة وحزباً بجماعة «الإخوان المسلمين» التي توصف بـ «المحظورة». ومع ذلك يتعاطى عدد غير قليل من مسؤولي الدولة معها كما لو أنها مشروعة وليست فقط موجودة.و»الإخوان» في مصر من جانبهم لا يرفضون التعاطي مع نظام الحكم والحزب الحاكم، بل على العكس يسعون إلى تطوير جسور تتجاوز الجهاز الأمني الذي صار جسرا وحيدا تقريبا معهم. ولكن هذه مرونة شكلية، وستظل كذلك إلى أن يزال الغموض الذي يكتنف بعض مواقفهم، بما في ذلك مدى استعدادهم لإنهاء العمل السري في حال السماح لهم بتأسيس حزب سياسي علني. بل يوجد غموض حتى في موقفهم تجاه مسألة الحزب في وقت يحققون فيه أقصى استفادة من سرية تنظيمهم وما تكفله من تماسك وتجنب الخلافات من ناحية، وقدرتهم على التحرك العلني في الحدود التي يقدرونها من ناحية أخرى. ومن دون وضوح كاف في مواقف «الإخوان»، يظل الاعتقاد سائدا في أوساط الحكم بأنهم يسعون إلى قلب النظام القائم وليس إلى العمل في إطاره.وفي مثل هذا الوضع، يصعب توفير الشرط الأهم لتطور ديموقراطي مستقر، وهو التراضي العام على القواعد المنظمة لهذا التطور. وفي غياب قواعد يتوافق عليها مختلف الأطراف في الساحة السياسية، لا بد أن يتعثر التطور الديموقراطي أو تصيبه تشوهات يصعب تجنبها. فمن دون قواعد للعبة السياسية، كما لأي لعبة، يلعب كل طرف بما يكسب به. فمن يكسب باستغلال أجهزة الدولة يلعب بها، ومن يفز باستغلال الدين يلعب به.والوصول إلى قواعد للعبة يقتضي حوارا وطنيا جادا في شأن مسار التطور الديموقراطي. ويستحيل إجراء هذا الحوار في ظل عداء متبادل بين القوتين الرئيسيتين.غير أن استمرار هذا العداء ليس خطرا على فرص التطور الديموقراطي فقط، وإنما على امكانات تقدم المجتمع أيضا. فالمشكلة باتت اليوم أكبر من نظام سياسي تقل فرصة تحويله إلى الديموقراطية في ظل عداء متبادل بين القوتين الرئيسيتين فى الساحة السياسية.فاستمرار هذا العداء، في الوقت الذي لم يعد نظام الحكم قادرا على التحكم في التفاعلات السياسية والاجتماعية وإدارتها من أعلى، يجعل الساحة الممتدة بينه وبين «الإخوان» مفتوحة لتفاعلات تنتج «بكتيريا» ضارة بصحة المجتمع كله وليس فقط بالتطور الديموقراطي. وما تفاقم الاحتقان الديني، الذي يسمى في مصر «فتنة طائفية» إلا أحد الأمراض التي تسببها هذه «البكتيريا». وبالرغم من أن لهذا الاحتقان أسبابه الأقدم، فقد فاقمت «البكتيريا» السياسية الراهنة خطره لأنها أضعفت صحة المجتمع وقللت بالتالي قدرته على مقاومة هذا الخطر.غير أن المشكلة أبعد من توتر متزايد على خلفية دينية. فالمساحة التي تفصل بين الحزب الحاكم و «الإخوان»، صارت مفتوحة لممارسات تتسم بالعشوائية وتفتقد إلى أدنى معرفة بل تحتقر المعرفة التي تقاس قدرة أي مجتمع في هذا العصر على التقدم بنصيبه منها أو بقدرته على تحصيلها. وتعبر هذه الممارسات العشوائية عن نفسها في منابر تنطق بكراهية عميقة ليس لنظام الحكم، وللنظام السياسي عموما، بل للمجتمع أحياناً.ويأخذ هذا التعبير في الغالب صورة صراخ لا ينقطع وعنف لفظي مثير للقلق في مجتمع بلغ الاحتقان فيه مداه. غير أن الأكثر إثارة للقلق، بل للرعب، هو نوع القيم التي يجري هدمها وتلك التي تظهر مع انتشار «البكتيريا» في المساحة بين الحكم و «الإخوان».فعلى سبيل المثال فقط، أصبح المعيار الأول لجودة الكتابة بمختلف أنواعها، من الكتابة الصحافية إلى الأكاديمية، هو حدة الهجوم على النظام السياسي بغض النظر عن مستوى النص في مضمونه وأسلوبه وكفاءة الكاتب وقدراته المعرفية والمجهود الذي يبذله. فالكتابة التي يحتفى بها في هذا السياق هي، باستثناءات نادرة، الأكثر سطحية والأشد فجاجة.لم تعد قيمة القلم في معرفة يقدمها وإنما في هجوم يشنه. فالكاتب الذي لا يهاجم أحدا، وحبذا إذا كان في السلطة، ليس بكاتب. ولم تعد الشجاعة في رأي جريء مدروس أو نقد قوي مؤسس على فحص عميق للموضوع، وإنما في الوصول بالعنف اللفظي إلى معدل قياسي جديد.وفي أجواء تسودها المزايدات يشتد «التنافس» من أجل معدلات أعلى، وينشأ جيل جديد لا يمكن إلا أن يحتقر المعرفة وكل ركائز التقدم.وفي مثل هذه الأجواء يسود، بالضرورة، ازدواج خطير في المعايير، إذ يكون كل ما هو خارج النظام السياسي خيرا في كل الأحوال.فالفساد، مثلاً، ليس مداناً إلا إذا تورط فيه أهل الحكم. وإساءة استخدام الموارد العامة لا تعتبر فسادا إذا كان لبعض أصحاب الأصوات المرتفعة نصيب في هذه الموارد. أما الفساد الآخر فمسكوت عنه أو مبرر. والمبرر جاهز تحت شعار أن المناخ الذي خلقته الدولة هو المسؤول عن الفساد دائما. هذا الشعار الذي يبرر لبعض أصحابه فسادهم أصبح عائقا إضافيا أمام محاربة الفساد. فليس في إمكان فاسدين في المجتمع أن يواجهوا فساد دولة لافتقادهم القوة الأخلاقية أو المعنوية اللازمة لمحاربة الفساد، الذي هو في أصله ممارسة لا أخلاقية.وليس هذا إلا بعضا من أمراض تهدد مستقبل المجتمع بكامله وليس فقط مستقبل التطور الديموقراطي. ولا سبيل لمواجهة هذه «الأمراض» إلا بزيادة المناعة العامة عبر حوار مسؤول بين الحكم و «الإخوان» يقود إلى حوار وطني حول قواعد التطور الديموقراطي.

أرسل من قبل nadeena في الجمعة, 2006-04-28 02:35.مواطنة | متابعات | مجتمع | المشكلة الطائفية في مصر

إرسال تعليق جديد

*
*
سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.

*

  • شارات HTML المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يتم الانتقال إلى سطر جديد آليا.