محنة العلمانية العربية

محنة العلمانية العربية الحلو كرم أخيرا، صدرت الطبعة الجديدة من رواية نجيب محفوظ <أولاد حارتنا> بعد منعها 47 سنة في مصر موطنها الأصلي، بمباركة الأزهر الذي وقف وراء منعها، وبمقدمة كتبها كاتب إسلامي، تلبية لرغبة محفوظ نفسه وإصراره على نيل رضى المؤسسة الدينية قبل صدور الرواية في طبعتها <الشرعية>. صدور الرواية على هذا الشكل والاعتبارات التي أحاطت به يفتح الجرح العلماني النازف منذ أواسط القرن التاسع عشر، ويعيد الى الواجهة كل ذلك الجدل وكل تلك النزاعات الايديولوجية التي خلّفها الطرح العلماني على ساحة الفكر العربي الحديث والمعاصر. فقد شكل هذا الطرح منذ بداياته استفزازا للسلطات الطائفية المستبدة والمهيمنة على العقول والأفكار والمعتقدات، لا لأنه يتناقض مع مبادئ الدين الأخلاقية وقيمه الروحية والإنسانية، او لأنه يقوّض الأساس الفلسفي الإيماني في الدين والمرتكز الى التسليم المطلق بوجود خالق قادر، منزّه، مدبِّر بعنايته لشؤون الكون والإنسان، بل لأن الطرح العلماني يحد من تسلط رجال الدين على عقول الناس وأفكارهم وينزع الغطاء الشرعي الذي يؤمِّنونه للسلطات السياسية لكي تبرر هيمنتها واستبدادها بذرائع <شرعية> مخادعة. في هذا الإطار يمكن ان نضع تلك المواجهات القاسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بين هؤلاء وبين أحمد فارس الشدياق وفرنسيس المراش وفرح أنطون وجبرائيل دلال، الذين أصروا على حق العقل الانساني في التأمل والتأويل والاجتهاد في ما لا يتناقض مع جوهر الدين الذي يدعو الى الاحتكام الى العقل، ويحث على التعقل والتفكر في ما أبدعه الخالق من موجودات، ومن نظام كوني يدل على عظمته وحكمته. فإزاء الظلم الفادح الذي تعرض له أسعد الشدياق لم يجد أخوه أحمد سبيلا للنجاة سوى الفرار من وطنه الى باريس ليندد منها برجال الدين المستبدين الذين نكّلوا بشقيقه منكرا حقهم في سجنه وتعذيبه وقتله زورا باسم الدين الذي دأبه، كما سائر الأديان، الحض على مكارم الأخلاق والأمر بالدعة والبر والسلم والأناة والحلم. يقول الشدياق مخاطبا قتلة أخيه: <وهب ان أخي جادل في الدين وناظر فليس لكم ان تميتوه بسبب هذا، وإنما كان يجب ان تنقضوا أدلته وتدحضوا حجته بالكلام والكتابة>. وعلى أثر فتنة 1860 الطائفية التي زرعت الخراب في لبنان، طرح بطرس البستاني، على رغم كونه قسيسا ومبشرا، فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية لأن المزج بين الاثنتين، في رأيه، يلحق الضرر بالدين والسياسة على السواء. وفي الحقبة التاريخية ذاتها ومن منطلقات مشابهة نادى فرنسيس المراش ب<المحبة الوطنية المنزهة عن أغراض الدين> وبحق العقل الانساني في التفكر في الموجودات وتأويل الحقائق الدينية، بما يتلاءم مع شرائع العقل ويؤكد قدرته على معرفة عظمة الخالق، ما أثار سخط رجال الدين وغضبهم باعتبار كلام المراش كفرا وتجديفاً. أما جبرائيل دلال الحلبي الذي ذهب بعيدا في علمانيته وصدامه مع رجال الدين فقد دفع حياته ثمنا لموقفه، حيث قضى في سجنه عام 1892 لرفضه اتخاذ الأديان مطية لمآرب شخصية، وشجبه تواطؤ رجال الدين مع الاستبداد السياسي. إزاء هذا التيار العلماني المواجه والصدامي الذي عرفه القرن التاسع عشر والذي لم يكن إلحاديا او لا دينيا كما خُيّل للبعض، سيعرف القرن العشرون تيارا علمانيا عقلانيا هشاً في مواجهته وصداميته لا يلبث ان ينكفئ الى مواقع دفاعية مستسلما إزاء نقد رجال الدين واتهاماتهم ودعاويهم التكفيرية. وفي مقابل الاصرار والمواجهة والتحدي سيسود الإذعان والانهزام والاعتذار والعودة الآمنة الى أمان الايديولوجيا السائدة. فطه حسين الذي كتب <في الشعر الجاهلي> عام 1926 مستخدما منهج الشك الديكارتي والنقد التاريخي الأوروبي، لم يلبث ان تحول عام 1933 الى إنشاء كتاب على هامش السيرة النبوية بروح رومانسية إيمانية بعيدة عن الشكيّة التنويرية العقلانية العلمية التي انتهجها في <الشعر الجاهلي>. وتكرر المنحى الانكفائي الاعتذاري مع عباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم، فكتب محمود عباس العقاد سلسلة <العبقريات الاسلامية> وكتب توفيق الحكيم مسرحية <محمد> وانتقل محمد حسين هيكل من <حياة روسو> 1921 الى <حياة محمد> 1935 متراجعا عن أفكاره الأولى. وفي شهادة واعتراف على هذا التراجع يقول توفيق الحكيم في <الإيمان والمعرفة> 1929: <أشعر اليوم ان ما تخيلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على حل كل ألغاز الكون، ليس يبلغ من نفسي ما كان يبلغ منها في صور شبابي>. أما اسماعيل مظهر الذي كان من أنصار الداروينية والعلموية، فقد عاد الى انتقاد فصل الدين عن الدولة، داعيا الى الجامعة الاسلامية. ولم يثبت علي عبد الرزاق على الأطروحة التي دافع عنها في كتابه <الاسلام وأصول الحكم> 1925 ومفادها ان السلطة في الاسلام مدنية لا تيوقراطية، لينصّب الملك فاروق من بين الأئمة الذي تنبأ رسول الله بظهورهم كل مئة عام ليجددوا للأمة دينها. وفي هذا الإطار التراجعي الانكفائي يمكن ان ندرج الكثيرين من المفكرين العرب الذين اختطوا فكرا مختلفا في الثقافة العربية، فهذا زكي نجيب محمود رائد الوضعية في الفكر العربي يرجع عن وضعيته ل <يزدرد تراث آبائه>، وهذا عبد الرحمن بدوي يعود عن وجوديته الى تحقيق ونشر التراث، وهذا محمد عابد الجابري ينتهي من مشروعه الكبير <نقد العقل العربي> الى ان <لا سبيل الى التجديد والتحديث إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكاناته الذاتية أولا> والى ان ما يقع خارج الدين يجب ان يلتمس المشروعية داخله وليس خارجه. بصريح العبارة، في رأي الجابري، ان سؤال الحداثة <يتطلب حكم الشرع>. في ضوء هذه الانكفاءات الاعتذارية التراجعية يجب ان نقرأ موقف نجيب محفوظ، ففي حرصه على نيل رضى الأزهر، وفي اختياره الكاتب الاسلامي أحمد كمال أبو المجد لكتابة مقدمة روايته <أولاد حارتنا> عودة مأمونة الى دفء المواقع التراثية وطمأنينة الانتماء الى الايديولوجيا السائدة. ولكن إذا كان بعض علمانيي القرن العشرين قد آثر السلامة منصاعا مذعنا منكفئا، فإن بعضهم الآخر مضى في المواجهة الى النهاية غير هيّاب ولا وجل متحديا أحكام التكفير والسكاكين الصدئة، دافعا ثمن موقفه غدرا وقتلا ونفيا وتشريدا وهجرة قسرية، وليس أدل على ذلك من أحكام الموت التي قضى ضحيتها فرح فودة وحسين مروة ومهدي عامل وعشرات المثقفين غيرهم في الجزائر والسودان ومصر واليمن وغيرها من أقطار العالم العربي. ان موت هؤلاء دفاعا عن علمانيتهم، والإصرار والمواجهة اللذين دشنهما مفكرون عرب طليعيون مثل أحمد فارس الشدياق وفرنسيس المراش وفرح أنطون وشبلي الشميل وقسطنطين زريق وهشام شرابي وغيرهم، ويمضي فيهما آخرون مثل محمد أركون وعبد الله العروي ونوال السعداوي ونصر حامد أبو زيد وناصيف نصار وجورج طرابيشي وغيرهم، يبقي الأمل حيا في انتصار ممكن للعلمانية العربية. إن ما نطلبه ونتمناه ليس ان يتحول علمانيونا جميعهم الى ضحايا او منفيين، بل ان يثبتوا بصلابة مدافعين عن مواقفهم العلمانية التي لا تنفي، كما يروّج خصومهم القيم الأخلاقية والروحية التي جاءت بها الأديان السماوية. وبدل ان يذعنوا صاغرين وينكفئوا متراجعين، لينبروا في وجه جلادي الكفر والرأي ويصرخوا في وجوههم: أجل إننا علمانيون ولنا الحق في ان نفكر ونعتقد لا كما تفكرون وتعتقدون، وإننا كذلك نرفض رقابتكم وإرهابكم وقيودكم ولا نخشى معتقلاتكم وسيوفكم وسكاكينكم الصدئة. (?) كاتب لبناني --السفير

أرسل من قبل nadeena في الإثنين, 2006-04-24 07:00.في العَلمانية | مجتمع ودين

إرسال تعليق جديد

*
*
سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.

*

  • شارات HTML المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يتم الانتقال إلى سطر جديد آليا.