إضافة تعليق

لا أقيم وزنا للتقاليد الطائفية الا منالناحية التاريخية والنفسية وليس لهاعندي أي مغزى آخر" استهلال :يعتبر سنة 1905 سنة ثورية في تاريخ العالمفالأحداث فيه تتسارع دون هوادة وحركةالمجتمعات  والأفكار تتقدم بعجلة الىالأمام وفي هذه السنة الحاسمة قامأنشتاين بخطوات من شأنها أن تقلب وجهةنظرنا الكونية رأسا على عقب،ففيها قدوضع نظريته النسبية الخاصة ونظرية الكمونظرية الحركة البراونية والتي جعلتالأرض تميد تحت أقدام العلماءالكلاسيكيين وأدت كذلك الى زعزعة الأسسالصلبة للعلم الحديث.لقد لبث العالممدهوشا مستغربا أمام العدد الضخم منالأفكار الجديدة التي طلع بها هذاالفيزيائي الألماني(1879-1955) والذي لم يفكرالا في الثغرات والفجوات التي يستشعرهافي نظرياته. لقد كانت أفكاره تتدفقكالسيل الذي لاينضب معينه وكان هو نسيجبأسره فكان جم الأدب عظيم التواضع رجلذكي مستقل وحر التفكير متمردا على نظامالتعليم يعشق الانسجام في العالم منخلال الموسيقى والفيزياء النظرية محباللتأمل والعزلة يحل المشاكل بأبسط الطرقيحرص على أن يسوق أفكاره بأكثر وضوح وأنيكون مفهوما من قبل الجميع. لكن ولئن كانمن السهل نسبيا التطرق الى الجهودالعلمية لآنشتاين خصوصا بعد أن وجدتنظرياته الرياضية والفيزيائية طريقهاالى العرض والتوضيح فإن الاهتمامبأنشتاين الفيلسوف هو أمر في غايةالصعوبة والتعقد خصوصا وأن فلسفته – انكانت له فلسفة – ليست بتلك البساطة بليكنفها الغموض ومليئة بالتناقضوالتردد.لما كان أينشتاين يهتم بالقوانين العامةللفيزياء فسرعان ما وجد نفسه أمام مشاكلتتناولها في العادة كتبالفلاسفة،فخلافا لغيره من أصحابالاختصاص كان لا يتورع عن مراجعة الكتبالتي لا تدخل في دائرة اختصاصه وكان يقبلعلى كتب الفلاسفة يحدوه الى ذلك عاملانمتعارضان:1 - ابتغاء التسلية والتندر لأنهم في نظرهسطحيون يتوخون الغموض في كل شيءويتكلمونفي كل شيء على الرغم من التفاوت الموجودبينهم،هؤلاء الفلاسفة هم شوبنهاورونيتشه. "لقد كان الاعتقاد السائد أيام كانتالفلسفة تخطو خطواتها الأولى أننانستطيع أن نحصل على ما يمكن معرفته بمجردالتفكير.ولقد كان هذا خداعا مكشوفا يسهلفهمه على كل من يحاول أن يتخفف ذهنيا ولوبرهة وجيزة من قيود كل ما تعلمه سواء منالفلسفة التي جاءت بعد ذلك أو من العلمالطبيعي." 2-  الاستفادة من كتبهم والاقتباس منآرائهم وتعلم بعض الاشياء التي تساعدهعلى تفهم طبيعة مبادىء العامة للعلمولاسيما علاقتها المنطقية بالنواميسالتي تعبر عن الملاحظات المباشرة،هؤلاءالفلاسفة هم هيوم وماخ وبوانكاريه وكانطوالى حد ما اسبينوزا.بيد أن اللقاء بينه وبين اسبينوزا لم يكنليحدث على مسرح التاريخ لولا اعترافأنشتاين بنفسه بهذا التأثر في رسائلهوكتبه وخاصة كتابه: هكذا أرى العالمورسالته الى صديقه موريس سولوفين.والآن لنتساءل:هل تأثر آينشتاين فعلاباسبينوزا؟ بعبارة أخرى: هل هناك حضورواضح المعالم لإسبينوزا في النص العلميو الفلسفي لآنشتاين؟هل القرابة بينهماهي مجرد الانتماء الى التراث اليهودي؟ان كان اللقاء بينهما قد تم فعلا فماهيالعناصر الفلسفية التي أخذها آنشتاين عناسبينوزا؟كيف تؤثر ميتافيزيقا حديثة تؤمنبالبداهة العقلية والضرورة الكونية فيفيزياء معاصرة تؤمن بالفرضيات وحسابالاحتمال الرياضي والنسبية المحددةوالمعممة ؟هل الاعجاب بالرياضياتواستخدامها هو القاسم المشترك بينالرجلين ؟ألم يتفقا في نقدهما التاريخي والعلميلظاهرة التدين اليهودي وما رافقه منتحريف وتزييف للكتاب المقدس ؟ما معنى أنيتأثر عالم ريبي مثل آنشتاين معجب أيمااعجاب بفلسفة هيوم التشككية وبنقديةكانط بكتاب الأخلاق لفيلسوف يثق ثقةعمياء بالعقلانية الجذرية مثلاسبينوزا؟كل هذه التساؤلات هي بمثابة مفارقاتوتناقضات دأب آينشتاين على الوقوع فيهاوعمل بجد على تفكيكها وتوضيحها دون كللأو ملل ونحن في هذا البحث لا يسعنا الامتابعة حركة فكره ورصد طيات نصوصه وتنقيب ماوراء خطبه ورسائله لعلنا نظفربما يفي  بمقصودنا ويفتح أمامنا ما قدانغلق.غير أن الاعتقاد بحضور الميتافيزيقاالحديثة في الفيزياء المعاصرة وتأثرآينشتاين باسبينوزا يفترض مجموعة منالمسلمات الضمنية والتي يمكن أن نذكرمنها ما يلي :- الاقرار بوجود عنا صر ميتافيزيقة فيالفكر الحديث.- اعتبار فلسفة اسبينوزا فلسفةميتافيزيقية.- حاجة العلم عامة الى مجموعة منالمبادىء الميتافيزيقية.- اقتران الثورة الكبيرة التي قام بهاآينشتاين في الفيزياء بالعودة الىالكشوفات الفلسفية الصامتة التي ورثهاعن اسبينوزا.- وقوع الميتافيزيقا عند اسبينوزا فيالعديد من الصعوبات النظرية والمفارقاتالعملية لم يقدر كبار الفلاسفة الذينجاؤوا بعده على حلها.- النظر الى الفلسفة العفوية عندآينشتاين على أنها توضيح منطقي للغةالعلمية التي تكلم بها اسبينوزا فيفلسفته الميتافيزقية.- لا وجود لتعارض بين الفيزياءوالميتافيزياء وتجاوز آينشتاين دعوىنيوتن الشهيرة:" أيتها الفيزياء احذري منالميتافيزياء..."ألا تقتضي هذه الفرضيات الضمنية اثباتابالحجة والبرهان من خلال الاحتكام الىالعقل والعودة الى علم الحياة والتجربة؟هل استعاد آينشتاين القاعدة المنهجيةالديكارتية التي ترى أن" أساس الفيزياءهو الميتافيزيقا"؟ماهو متعارف عليه أن آينشتاين يثني علىالفلسفة و يمدح الأفكار الفلسفية فقد :- أخذه عن هيوم ورسل فكرة النسبيةلإعجابه بمذهبهما الريبي.- كما نظر باندهاش الى اعتبار كانطمقولتي الزمان والمكان من مقولات الذاتوخروجه عن النص النظري لصاحب كتابالمباديء نيوتن.- زيادة على انتباهه الى أهمية الرفضالديكارتي لفكرة الخلاء أو الفراغ فيالكون وتفسيره الحركة من خلال التصادمبين الأجسام.أضف الى ذلك أنه القائل عند تعيينه سنة1950تحت عنوان"الفيزياء والفلسفة والتقدمالعلمي":" اذا اعتبرنا الفلسفة بحثا عنالمعرفة العامة والأكثر شمولية فإنهينبغي اذن أن ننظر اليها بشكل بديهي علىأنه أم لكل تساؤل علمي..."  " هذا التصور للعالم اذا نظرنا اليه منزاوية فلسفية هو بالتحديد مرتبطبالواقعية العفوية أي  بالتصور الذي يرىالمواضيع في الفضاء ممثلة مباشرة منخلال الادركات الحسية..." من هنا يتبن لنا أن الأسئلة الرئيسية فيالفيزياء هي من طبيعة فلسفية وأنالفيزيائي يكون بطبعه فيلسوفا .يصرح انشتاين في كتابه تطور الفيزياءتحت عنوان الخلفية الفلسفية:" تفرض نتائجالبحث العلمي في أحيان كثيرة تبدلا فيالنظرة الفلسفية الى مسائل تمتد الى ماوراء ميدان العلم المقيد. ماهو هدفالعلم؟ ماهو المطلوب من نظرية نحاول أنتصف الطبيعة ؟ ان هذه الأسئلة ترتبطارتباطا وثيقا بالفيزياء مع أنها تتخطىحدوده لأن العلم يشكل مادة نشوئها.وينبغي أن تبنى التعميمات الفلسفية علىالنتائج العلمية. ولكنها بعد أن تصاغ وتقبل على نطاق واسع تؤثر في أحيان كثيرةعلى التطور اللاحق للفكر العلمي وتبينالنهج الذي يجب اتباعه من عدة طرق ممكنة.ان الثورة الناجحة على وجهة نظر قائمة ومقبولة تؤدي الى تطورات غير مرتقبةومختلفة تماما عما سبقها وتتحول الىمصدر الى نظريات فلسفية جديدة"    هذهالملاحاظات تقر بأن العلم يبدأ عندماتتأزم الفلسفة و تشرع في التوقف وأنالفلسفة تبدأ عندما يشرع العلم فيالتنظم والتوقف.اذا ذلك كذلك و كان اللقاء بين الفيزياءو الفلسفة من تحصيل حاصل أو من مستلزماتالتقدم العلمي ذاته فكيف تم اللقاء بينفيزياء آنشتاين و فلسفة اسبينوزا و ضمنأي سياق نظري ؟ان الأساس المشترك بين الرجلين هواستخدام المنهج الرياضي والايمانبالضرورة المطلقة في الكون.I - ميتافيزيقا اسبينوزا :  من المعلوم أن اسبينوزا اتبع في كتبه:الأخلاق ومبادىء فلسفة ديكارت والرسالةالموجزة منهج الرياضيين في الهندسة لماتضمنته من تعريفات وأوليات ومسلماتوقضايا وحدود  وبراهين وحواشي تمامامثلما تتضمنه كتب علماء الهندسة، وقداقتدى اسبينوزا في ذلك باقليدس وإبنميمون وسكوت وبروكلس، لقد تضمن كتابالأخلاق العنوان الفرعي التالي:"الأخلاق مبرهنا عليها على المنهجالهندسي في خمسة أجزاء تبحث:1- في الله 2- في طبيعة النفس و أصلها.3- في أصل الانفعالات و طبيعتها.4- في عبودية الانسان أو في قوىالانفعالات.5- في قوة العقل أو في حرية الانسان". يقول سبينوزا في التذييل الخاص بالكتابالاول:" ولا شك أن هذا السبب وحده كانكافيا كي يبقى الجنس البشري في جهل دائمللحقيقة لولا الرياضيات التي تعنى لابالغايات و انما بماهيات الاشكالوخاصياتها والتي أشعت أمامن الآدميينمعيارا آخر للحقيقة..." اللافت للنظر أن التصور الميتافيزيقيعند سبينوزا يقوم على :- استبعاد الغائية في التفسير العلمي.- وجود توازي عقلي- فيزيائي في كل الكون.- وجود جوهر واحد هو الطبيعة- الله وهيطبيعة طابعة أي مجموع الصفاتاللامتناهيةومن بينها الفكر والامتدادوالطبيعة المطبوعة فتشمل كل الأحوالتبدأ من تلك التي تنبسط مباشرة من الصفاتمثل الذهن اللامتناهي والحركة والسكونالى أكثر الأشياء تحديدا.- الضرورة مطلقة في الكون وكل شيء خاضعلقانون دقيق ولا شيء يحدث صدفة أو اتفاقابل ان قوانين الطبيعة هي القوانينالالهية وتستمد منها أيضا القوانينالأخلاقية.يقول في القضية38:" ان ما يكون مشتركا بينجميع الاشياء ويوجد في الجزء والكل علىحد السواء لا يمكن تصوره الا على نحو تام".  وفي موضع آخر يدعم هذه الفكرة فيالقضية 29 بقوله:" لا شيء في الطبيعة حادثبل كل ما فيها محدد بضرورة الطبيعةالالاهية كي يوجد و ينتج معلولا ما بنحوما ".- نجد في القضية 28" لا يمكن لأي شيء جزئيأعني لأي شيء متناه و محدد الوجود أنيوجد ولا أن يتحدد انتاجه لمعلول ما انلم يتحدد وجوده و انتاجه لهذا المعلولبعلة أخرى هي ذاتها متناهية و محددةالوجود... وهكذا دواليك بلا نهاية". ان الانسان عند سبينوزا  نمط محدودوهونتاج للجوهر الواحد لأنه لا يوجد الاجوهر ما عدى الله الذي يمثل في الوقتذاته سبب وجوده و سبب ماهية الأشياء"الله واحد بمعنى... أنه لا وجود فيالطبيعة الا لجوهر واحد..."لأن" النفسوالجسد شيء تارة نتصوره من جهة الفكر وطورا من جهة الامتداد..."الكوناتوس هو المبدأ الذي يحدد ماهيةالكائنات والأشياء ويعرف بأنه القوةوالميل الذي يوجد في الأشياء و يجعلهاتحافظ على حالتها. فالعقل كالجسد يخضعللكناتوس ولا وجود لعقل متعال عنالانفعالات،فأفعال النفس مرتبطة بأفعالالجسد كما أن انفعال الواحد مرتبطبانفعال الآخر وهذه الفكرة هي ما يعبرعنه سبينوزا بالتوازي بين عناصر الكونأي بين الامتداد والفكر وهو توازي علىمستوى الفعل والانفعال.II- فيزياء آينشتاين :"أما رجل العلم فتتملكه روح السببيةالكونية.فالمستقبل بالنسبة للعالم فيجميع دقائق حياته محدد وحتمي مثل الماضيتماما." ينظر اينشتاين الى الرياضيات على أنهامبدعة/خالقة للنظريات الفيزيائية وأداةلا مشاحة منها لرؤية العالم واكتشافبنيته وسبر قوانينه، واذا كانت مقاصدهفي مشروعه الفلسفي هو" رسم الخطوطالعريضة لمحاولات الفكر البشري الراميةالى ايجاد ترابط بين عالم الأفكار وعالمالظواهر" ببذل" الجهود لإظهار القوىالفعالة التي تدفع بالعلم الى استنباطالأفكار التي تناسب واقع العالم الذينعيش فيه" فان ذلك لن يتم الا بالمنجالرياضي لأنه الأنجع عند متابعة البحثعن حلول للأسرار التي يحتويها كتابالطبيعة و أثناء صعود النظرةالميكانيكية أو هبوطها وصعود النظرةالنسبية.تعلمنا الرياضيات مبادىء لغة الطبيعةوتجعلنا قادرين على اكتشاف العديد منالخيوط المؤدية الى حل الألغاز،في هذاالسياق يصرح انشتاين:" ان البناء الرياضيالمحض يمكننا من اكتشاف المفاهيموالقوانين التي تصل بينها والتي تعطينامفتاح الظواهر الطبيعة.ويمكن للتجربةبطبيعة الحال  أن تقودنا في اختيارناالمفاهيم الرياضية التي ينبغي أننستعملها".وعن العلاقة بين الرياضيات والتجربةبين انشتاين المفاهيم الفيزيائيةابداعات رياضية حرة و أن الفكر الرياضيقادر لوحده على فهم الواقع بقوله:" ولئنظلت التجربة بالتأكيد مقياس المنفعةالوحيد لبناء رياضي ما في خصوص الفيزياءفإن المبدأ الخلاق بحق هوالرياضيات..."،هكذاتمنح الرياضياتالفيزياء العديد من المزايا:- تمكنها من الاقتصاد في التفكيروالنجاعة في التفسير- تمنح النسق الفيزيائي بنيته و تذهب بهفي الاختزال المنطقي شوطا كبيرا.- تجعل الفيزياء النظرية تحصل علىقاعدتها الأكسيومية مما يمكنها مناكتشاف ثغراتها وتنافضاتها والعمل علىتلافيها.- الفيزيائي من خلال الرياضيات يستطيعالحصول على صورة ما عن الآلية التي تتحكمفي سير قوانين الكون وتجعله يتحركبانتظام وهي هنا تشبه المفتاح  القادرعلىفهم آلية ساعة مغلقة.وقد عمل انشتاين على حل العديد منالمعضلات في الفيزياء الكلاسيكيةوالنظرة الميكانيكية للكون  مثل لغزالحركة باستنطاق مفاهيم القوة والكتلةوالسرعة والاتجاه ونظر في تجارب الجاذبوالتنافر والنواقل والعوازل مستلهما فيذلك افكار سبينوزا حول الكوناتوسوالامبتوس، كما انه انتقل الى النظرةالديناميكية للكون وبحث في لغز الضوءولغز اللون  ولغز الأثير وكيفية انتقالالمادة الى طاقة وطرح سؤال الجوهرالسبينوزي على مفاهيم الفيزياء الجديدةالتي تعنى بالجزيئات الجدقيقة،فبحث عنجوهرالضوء وعن جوهر الطاقة و مفهومالحرارة النوعية،فكان يتساءل هلالحرارة جوهر؟ فوجد أنها بعد من أبعادالطاقة و ليست مادة بالمعنى الذي تحملهالكتلة.اذ يقول في هذا الاطار:" فالحرارة حسبتصورنا هي جوهر كما هي الكتلة فيالميكانيكا ويمكن أن تتغير كميتها أو لاتتغير..." وبالتالي فإن الحرارة تحفظ فيالجسم المعزول و تظل ثابتة ويمكن نقلهامن جسم الى آخر.يقدم أينشتاين  تعريفاجديدا للطاقة:" لقد أدخلت الفيزياءالتقليدية جوهرين اثنين هما:المادة والطاقة،فالمادة لها وزن أماالطاقة فلا وزن لها. وفي الفيزياءالتقليدية أيضا يوجد لدينا قانونينللحفظ:الأول لحفظ المادة والثاني لحفظالطاقة. أما الفيزياء الحديثة فإنها لاتقبل بمفهوم الجوهرين و بقانوني الحفظ.فحسب النظرية النسبية لا يوجد أي تمييزأساسي بين الكتلة والطاقة،فالطاقة لهاكتلة كما أن الكتلة تمثل طاقة. وعوضا عنوجود قانونين للحفظ لدينا قانون واحدفقط هو قانون حفظ الكتلة- الطاقة. و قدتبين أن هذه النظرة الجديدة ناجحة جداومفيدة لتطور الفيزياء اللاحق." واضح أن أينشتاين مثل سبينوزا يؤمنبوحدة الوجود وبقانون واحد كلي يسري فيجميع عناصر الكون كبيرها وصغيرها فهو قدجعل الزمان بعدا رابعا للمكان وأسسمفهوم الزمان-المكان أو الزمكان وهوكذلك الذي نحت مفهوم الكتلة-الطاقة.انأينشتاين يعتقد بنوع من العقل الكلي وبوجود نوع من النظام المسبق الذي يشيع فيالطبيعة،فالعالم مؤسس على العقل ومنالممكن فهمه على هذا الأساس و دونالاعتقاد الجازم بالنظام الباطن الذييسود الطبيعة لما قامت للفيزياءقائمة.يصرح حول هذا الأمر:"هذا الاقتناعالمرتبط بإحساس عميق بوجود عقل أسمىيتجلى في عالم التجربة يكون بالنسبة ليفكرة الله أو بعبارة مألوفة يمكن تسميتهبمذهب ألوهية الكون(اسبينوزا)" لقد ذاعت شهرة اينشتاين لاكتشافه نظريةالنسبية وعندما طلب منه شرح فحوى نظريتهالتي اكتشفها فأنه لخصها في الجملةالتالية:" لقد كان الناس من قبل يعتقدونانه لو اختفت جميع الاشياء المادية منالعلم لبقي الزمان والمكان مع ذلك وأمانظرية النسبية فإنها ترى أن الزمانوالمكان يختفيان أيضا هما وسائر الأشياء." وهذا يعني أنه يجرد الزمان والمكان منالوجود المستقل ويجعلهما من صنع الانسانفلكل انسان زمانه الخاص و مكانه الخاصولكنه يعترف على الأقل أن الكون له حقيقةفيزيائية مستقلة. هكذا قلب هذا الرجل نواميس الكون و اثبتانحناء المكان و رفض التخلي عن هذهالفكرة في سبيل توسيع نظيرته النسبيةعلى الصعيد الميتافيزيقي من طرف وايتهادبل وضع نظرية جديدة في الجاذبية مستقلة وقائمة بذاتها و منسجمة منطقيا و تفسرحقائق اكثر شمولا وأوسع نطاقا وقدأيدتها العديد من التجارب الميدانية.ولعل أهم النتائج التي أدت اليها نظريةالنسبية:- الزمان نسبي. - للمكان انحناء.- سرعة الضوء هي أكبر سرعة ممكنة.- لا يمكن الفصل بين الزمان والمكانإطلاقا بل هما يكونان معا كلا متصلا يسمى" متصل الزمان والمكان" والزمان اذن هوبعد رابع يضاف الى أبعاد المكان الثلاثالأخرى : الطول والعرض والارتفاع.- ان مقاييس الناس للزمان نسبية تتوقفعلى اطارة الاشارة التي يوجد فيهاالراصد.- الزمان له أكثر من اتجاه والأمر يتوقفعلى المعايير التي نضعها سابقا لتحديدالمعية والتوالي أو التتابع،فلا توجدمعايير مطلقة بل كل ما هنالك مجردمواضعات.وفكرة المعية أي الحدوث في نفسالوقت تختلف بإختلاف اطار الاشارة أيلموضع الراصدين بحيث لا توجد معيةمطلقة،فتحديد المعية وتبعا لذلك تحديدالزمان في نقط مختلفة من المكان هو أمرنسبي و ليس واحدا بالنسبة الى مجموعةمختلفة من الراصدين.وقد أجاب أينشتاين عن السؤال اللغز: هلالتصور الذاتي لجسم ما يتوقف على مايحتويه من طاقة ؟ بقوله بالتكافؤ بينالكتلة والطاقة في المعادلة الرياضيةالتالية: الطاقة =  الكتلة × مربع سرعةالضوء .وقد واصل أينشتاين توسيع نظرية نظريتهفي النسبية وبحث في أسسهاالمعممة وانتهيالى أنها ليست قوة كما فهم نيوتن بل هيمجال منحني في متصل المكان والزمانناشيء عن حضور الكتلة. وهذا التعريف أمكناثباته بعد قياس درجة انحراف الضوء حينيسير نجم معين قريبا من الشمس أثناءالكسوف الكلي.وقد استطاع أن يفسر بالمعادلات الرياضيةالجديدة لوحدها ودون الاحتكام الىالتجربة عدم انتظام مدار كوكب عطارد فيأقرب نقطة الى الشمس وبين لماذا تبعثالنجوم في مجال جاذبية قوية ضوءا أقربالى الطرف الأحمر من الشعاع الطيفي فيمجال أضعف.أما دراسات اينشتاين في مجال انتاج وتحويل الضوء فقد بينت أن الضوء يتألف منمجموعة من الكمات ذات موجات وقد عرفتفيما بعد باسم الفوتونات ودافع عن فكرةالطبيعة المزدوجة للضوء أي أنه يتكون منحبيبات ومن تموجات مخالفا بذلك لوي ديبروي وهايزنبرغ.عندما طرح عليه سؤال : ما علاقة نظريةالنسبية بالدين؟ اكتفي بالفصل بينهماقائلا:" ليس لها أي تأثير فالنسبية نظريةعلمية محضة و ليس لها أدنى علاقة بالدين"غير أنه ما يلبث أن يصالح بينهما في موضعآخر بقوله:" ان علما دون دين هو علم أعرج وان دين دون علم هو دين أعمى " وبعبارةأخرى:" ان تفسير الدين على النحو الذيأسلفناه يحتم اعتماد العلم على الاتجاهالديني وهي علاقة غالبا ما يسهل في عصرناالمادي اغفالها.فبينما هو صحيح أنالنتائج العلمية مستقلة تماما عنالاعتبارات الدينية والأخلاقية نجد أنأولئك الأفراد الذين ندين لهم بأعظمالأعمال العلمية كانوا جميعا مشبعينبالإقتناع الديني الصادق بأن هذا الكونشيء تام الكمال تواقين عقليا للمعرفةوما لم يكن هذا الاقتناع جياشا بالعاطفةوما لم يكن أولئك الذين يبحثون عنالمعرفة قد ألهمهم حب اسبينوزا للعقلالأسمى لما استطاعوا ذلك الانقطاعالدائب الذي يستطيع وحده أن يدفع المرءالى القيام بجلائل الأعمال" يطابق اينشتاين بين الله والطبيعة،للههو محرك البحث العلمي والعلم يفضي فيالنهاية الى اكتشاف الله حالا بقوانينهفي الطبيعة. لكن كان تدين اينشتاين يشبهالتصوف العلمي فهو يصدر عن اعترافهبتواضع قدرات العقل العلمي أمام نظامالكون الذي أبدعه ووضع قوانينه عقل معجزهو العقل الالهي.لذلك يرى أينشتاين أنالاعتقاد في الاله المشخص هو أحد أسبابالصراع بين الدين والعلم وأن التحرر منالخوف يتم عبر تحرير الدين من الالهالمتعالي الذي يحيل الواحد الى مثنىوالمتماثل الى مغاير و يؤكد في هذاالسياق: " ان دين الخوف يناسب الانسانالبدائي وهو دين رسخه الكهان الذينشكلوا فئة ممتازة ونصبوا أنفسهم وسطاءبين الانسان والآلهة وأسسوا العبادة علىالمخافة وبنوا سلطانهم وسلطتهم علىقاعدة التخويف "يصف اينشتاين شعوره الديني بأنه كونيبقوله:" ان هذا الشعور يصعب وصفه لمن لميختبره لأنه متحرر من الدوغمائيةالعقدية و الطقوس الدينية و الالهالمشخص و لا حاجة له بالتالي لكنيسة أومؤسسة و انما هناك حاجة لتوطينه في كلنفس ...لا يمكن وصف هذا الشعور الدينيلفاقده لكن أهم وظائف الفن والعلم هياحياء هذا الشعور في النفوس المؤهلةلاستقباله."والحق أن مكتشف النسبية يواصل ما بدأهاسبينوزا من نقد للثنائية/ للمثنويةالتي جاءت بها الأديان التوحيديةالثلاثة والتي فصلت فيها الله تعالى عنالطبيعة وتعالت به عن الكون والبشروموضعته خارج العالم. وقد آمن بإلهسبينوزا الذي يتسجد في قوانين الطبيعةعقلا وارادة وقدرة وقصدا فهو القائل:"أنا عميق التدين ولأنني كذلك لا أستطيعأن أفهم الها يكافىء مخلوقاته ويعاقبهاويمتلك ارادة مماثلة لارادتنا..."وقداستبدل أينشتاين الايمان العجائزيالموروث بايمان بنظام الكون وتناسققوانينه الطبيعية الحتمية بتصريحه:" أننرى الأشياء متضمنة في النظام والقوانينالأزلية أي في الله يعني أن نشارك اللهفيرؤية الأشياء ".ان النضال الالحادي ضد الدين ليست مهنةأينشتاين رائد العقلانية العلميةالمعاصرة بل هو رجل دين تربوي يتواضعأمام معرفة العالم الموضوعية للوجود فقداستراح عقله في فردوس فلسفة اسبينوزاالطبيعية بعدما توحد فيها الله بالطبيعةوالعقل بالوجود والأخلاق بالعلم والدينبالسياسة وما تبقى هو توحيد العلمالاجتماعي والسياسي مع النظامالكوني.وهكذا فإن أينشتاين خرج عن الدينالرسمي لكي يؤسس الايمان على العلموالعقل ويرتقي بمستوى فيزيائه الى مرتبةفلسفة سبينوزا الوجودية التي جعلت كلشيءيبدأ من الله وجعلت الله والطبيعة شيئاواحدا. كان المبدأ الذي اعتنقه أينشتاينما يلي: "الحياة نسيج عظيم والفرد خيطرفيع في هذا النسيج العجيب الشاسع وبدونهذا الشعور بالأخوة مع بشر يعقلون الكونمثلي وبدون هذا الاستغراق فيالموضوعي،في حقول الفن والعلم التي لايمكن استنفاذها أو بلوغ نهاياتها فإنالحياة بالنسبة لي كانت ستبدو فارغة..."   في هذا الأمر يرى:"أن تحسين شروط حياةالانسان لا تعتمد على المعرفة العلميةبالضرورة وانما على تحقيق المثلالأخلاقية والتقاليد الانسانية "وآيتهفي ذلك" أن العلم حاد البصر حين يتعلقالأمر بالأدوات والمناهج ويكون فاقدالبصر حين يتعلق الأمر بالقيم والأهداف "ويدعو أينشتاين الى تأسيس الأخلاق علىالعقل والمعرفة بقوله:" التمست الخير فيانماء المعارف على اختلافها بدل أنتعانيه في نقاوة القلب واطاعة الضميروالارادة الصالحة"،كما أنه يثني علىالأديان التي تدعو الى السلم بقوله:"انديانات كل الشعوب المتحضرة خصوصا شعوبالشرق هي أساسا ديانات أخلاقية.ولقد كانالانتقال من ديانة الرعب الى الديانةالأخلاقية خطوة كبرى في الشعوب". ولعل اعجابه بكتاب الأخلاق عند سبينوزاخير دليل على تأصل هذه النزعةالأكسيولوجية لديه لكن المشكل يظل قائمالماذا لم يذكر اينشتاينا سبينوزا الانادرا في رسائله ومؤلفاته ؟ كيف نفسرجنوح أينشتاين الى السلم وكرهه الكبيرللحروب والإستبداد ودعوته لنزع السلاحونشر الإشتراكية والديمقراطية فيالعالم والتقريب بين المذاهب والأديان؟أليس كل هذا هو رجع صدى لصوت اسبينوزاالمدوي عاليا في سماء التاريخوالفلسفة؟المراجع:أينشتاين  من السنوات الأخيرة في حياتي المكتبة الفلسفية ص39 نيويورك  1950أينشتاين وانفلد   تطور الفيزياء  ترجمةعلى المنذر  أكاديميا بيروت 1993ألبرت أينشتاين أفكار وآراء   ترجمةرمسيس شحاتة الهيئة المصرية العامةللكتاب1986اسبينوزا علم الأخلاق   ترجمة جلال الدينسعيد   طبعة دار الجنوب للنشر تونسميشال باتي   أينشتاين فيلسوفا  طبعة بيفباريس 1993* كاتب فلسفي

أرسل من قبل nadeena في السبت, 2007-02-24 20:18.آراء | أبحاث نظرية

الرد

*
*
سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.

*

  • شارات HTML المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يتم الانتقال إلى سطر جديد آليا.