إضافة تعليق

في تهافت الخصومةبين الغزالي وابن رشدحول قانون التأويل :                                                                     زهير الخويلدي" فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كلالتباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر."                                                                            ابن رشد – فصل المقال." بين النظار الذين اضطربت عقائدهمالمأثورة المروية فينبغي أن يكون بحثهمبقدر الضرورة وتركهم الظاهربضرورةالبرهان القاطع ولا ينبغي أن يكفربعضهمبعضا بأن يراه غالطا فيما يعتقده برهانافإن ذلك ليس أمرا هينا سهل المدارك وليكنللبرهان بينهم قانون متفق عليه يعترفكلهم به فإنهم اذا لم يتفقوا في الميزانلم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن..."                                                                  الغزالي – فيصل التفرقة.استفتاح :ظل التأويل منذ بدايات الفكر البشريمغامرة رهيبة غير محدودة  لا تحكمها نقطةنهائية ولا تخضع لأية غاية فالأشياءمنكفئة على ذاتها ولا يمكن قياسهابأسبابها والاحالات حرة وعفوية تؤدي الىانتاج مدلولات عبثية والأمور الصحيحة هيالأمور التي لا يمكن شرحها, ولانهائيةالتأويل هي التي تقوده الى تدميرالمبادىء التي يقوم عليها  والتشكيك في المصادرات التي ينطلق منها, زد على ذلكأن الاشتغال على التأويل هو تأويل مضاعفومحاولة لرسم حدوده  وهويته  وتشخيصلمتاهاته وتأكيد ضرورته  وأهميته, لكنهناك من يرى أن التأويل ليس فعلا مطلقابل محكوما بمرجعيات وقواعد  وقوانينوضوابط ذاتية تعمل على رسم خارطة تتحكمفيها الفرضيات الخاصة بالقراءة, من هنايجوز لنا أن نتحدث عن تاريخية التأويلوتأويل كل طبقات التاريخ التي تشتركفيها جميع الثقافات والأمم دون استثناءوبما أن حضارة العرب مثل غيرها هي حضارةتأويل وتاريخها هو تاريخ صراع حول منيستحوذ على النصوص والروايات والتفاسيروالتأويلات فإننا سنعزم على تدبر وتلمسبعض من نظريات التأويل في هذه الحضارةوبالخصوص ما أنتجته الفلسة العربية فيذلك, بيد أن وضع نظرية التأويل في علومهم هو وضع  مقلق  ومحرج  ومنزلتها هي منزلةغامضة و دقيقة لما تمسه من مناطق محرمةوأمور مقدسة ولما يترتب عنها من تشريعات وأحكام تمس حياة المرء الخاصة وتشملمختلف العلاقات الاجتماعية, لهذا اهتمبه جميع العلماء  والمفسرين والفلاسفةمن جميع المذاهب والفرق ومن جميع المللوالنحل.ولما كان تاريخ الأفكار عندنا هو تاريخمناظرات ومطارحات وردود وردود مضادة فقدسجل لنا هذا التاريخ معركة كلاميةفلسفيةبين ابن رشد والغزالي اشتهر منها تكفيرالغزالي للفلاسفة في كتابه "تهافتالفلاسفة" لخوضهم في مسائل الدين والغيبوبوحهم بها للعامة مما كان من شأنه أنيفسد العقيدة وقابله رد ابن رشد الحازمودفاعه المستميت على التفلسف بالنسبةللمؤمن في كتابه "تهافت التهافت" لأن ذلكواجب شرعا ولأن الفلسفة والدين هماأختان من الرضاعة متاحبتان صديقتانبالطبع " فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". لكن المناظرة الحقيقية التيدارت بين الرجلين والتي أهملها الجميع كانت تتعلق بالأساسحول قضية التأويل : قانونه وشروطهوقواعده وحدوده ومواضعه ومجالاته.فماهو قانون التأويل عند الغزالي ؟ أينيمكن أن نصنفه ؟ هل ضمن التأويل الفقهيأم الكلامي ؟  هل ضمن التأويل الفلسفي أم الصوفي ؟ علىماذا يقوم ؟ ماهي مسلماته الضمنية وفرضياته القبلية ؟كيف ميز الغزالي بين التأويل الزائف والتأويل الصحيح ؟ لماذا ارتبطت مسألةالتأويل بمسألة الكفر و الايمان ؟هل يؤدي التخلي عن قٌانون التأويل الىتكفير كل مخالف في العقيدة ؟ ما الفرقبين قانون التأويل عند الغزالي وقانونالتأويل عند ابن رشد ؟  ماذا أضاف ابن رشدللغزالي ؟ فيماذا نقده و لماذا ؟وهل يمكن أن نعتبر ابن رشد قد وسع مندائرة التأويل أم ضيقها وأفقرها ؟هل من الضروري أن نتقيد بقانون عندمانتعامل مع تأويل النصوص ؟ما علاقة قانون التأويل بالقياسالبرهاني ؟ ألا يمكن أن نعتبر المنطقسياج دغمائي منع ابن رشد من تأسيس نظريةكونية في التأويل ؟ لماذا اشترط حكيمقرطبة الدراية بقوانين اللغة العربيةللوصول الى تأويل صحيح ؟ ألم يتأثر فيذلك بالغزالي ويبتعد بعض الشيء عن أرسطو؟هل هناك خصومة فكرية تقاطع بعدهاالرجلان أم قرابة وتأثير وتأثر ؟ما نراهن عليه عندما نتصدى لمعالجة هذهالاشكاليات هو معرفة مخزون المدونةالعربية من نظريات التأويل واستخراج مدىمساهمتها في المدونة الحديثة , اضافة الىالتمكن من التمييز بين التأويلاتالمضللة و التأويلات المقبولة بتفكيكالحكم المسبق الذي يجعل من الغزالي أميرظلام و ينظر الى ابن رشد دون تمحيص علىأنه فانوس تنوير.1- قانون التأويل عند الغزالي :قال الله عز و جل :" هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتمحكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات, فأماالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابهمنه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ومايعلم تأويله الا الله والراسخين فيالعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ومايذكر الا أولوا الألباب"( آخر الآية7 منسورة آل عمران). مثلت هذه الآيات القاعدة النظرية التيانطلق منها كل العلماء في الحضارةالعربية لبناء نظريتهم في التأويلوالأساس الأول الذي انتقل منه المفسرونلفهم النصوص المتشابهة والمليئةبالألغاز والمجازات والغزالي لم يشذ عنهذه القاعدة بل كان أكثر قرب من روح هذهالآيات عندما وضع قانونا للتأويل فيرسائله وكتبه, فماهي المؤلفات التي تحدثفيها الغزالي عن التأويل ؟ وماهو هذاالقانون الذي وضعه ؟ترك لنا أبو حامد رسالة عنوانها : قانونالتأويل طرح فيها أسئلة شائكة عن أمورغيبية لم يقع البت فيها بشكل نهائي بنصوصمحكمة وقطعية تتعلق بوجود الشيطانوكيفية تأثيره في البشر واخباره عنالغيبيات وتتناول بالبحث أيضااستفسارات حول حقيقة البرزخ والملائكةوالحوض والجنة والنار والشفاعة وقداعترف الغزالي بغموض هذه الأسئلةوحساسيتها لأنها تمس جوهر العقيدة وتؤثرعلى سلامة ايمان الجمهور ووحدة صفهموأكدحاجة كل مؤول الى قانون للحكم في مثل هذهالأمور ولضمان عدم الوقوع في الوهموالغلط , وقد صرح في هذا الصدد:" أسئلةأكره الخوض فيها  والجواب لأسباب عدة,لكن اذا تكررت المراجعة أذكر قانوناكليا ينتفع به في هذا النمط..."  يرى الغزالي في اطار مقاربته لإشكاليةالعلاقة بين العقل والنقل ودورها في فهمالنصوص أن القائلين بالتأويل لا يخرجونعن أحد الفرق الخمسة التالية : 1- القانعون بظاهر المنقول.2- المغالون في المعقول.3- المتوسطون بجعل المعقول أصلا والمنقول تابعا.4- المتوسطون بجعل المنقول أصلا والمعقولتابعا.5- المتوسطون الذين يجمعون بين المعقولوالمنقول كأصلين مهمين.ويرى أن الفرقة الأولى تعتمد الفهمالحرفي للنصوص وتقف بمداركها في مستوىالظاهر, تنظر الى كل ما جاء في النص علىأنه محل ايمان وتسليم  واعتقاد, تمتنع عنالتأويل حتى أمام تناقضات واضحة للعيانوهي لهذا فرقة مقصرة طلبا للسلامة من خطرالتأويل والبحث فنزلت بساحة الجهلواطمئنت بها.الفرقة الثانية حسب الغزالي لم تكترثبالمنقول وغالت في التفسير العقلي حتىأدى بها الأمر الى الاستخفاف بما ورد فيسماع الشرع و احتاجت لذكر الشىء على خلافماهو عليه  ولذلك فهي مقصرة.الفرقة الثالثة جحدت الظواهر المخالفةللمعقول بل أنكرتها وكذبت راويهافاعتمدت على التأويل القريب والتواترفطال بحثهم في المعقول وضعفت عنايتهمبالمنقول ولذلك فهي فرقة مقصرة.الفرقة الرابعة لم تغوص في المعقول بلطالت ممارستها للمنقول بحيث لم يكثرعندها الحديث عن المحالات العقلية فلمتنتبه للحاجة الى التأويل.الفرقة الخامسة في رأيه هي الفرقةالناجية صاحبة التأويل الصحيح للنصوالتي احترمت قانون التأويل لأنها جمعتبين البحث عن المعقول والمنقول وجعلت كلمن العقل والشرع أصلا وأنكرت التعارضبينها لكونهما حقا وقد ابتعدت عن الجمعوالتلفيق واقتربت من التوفيق والتأليف.وقد ترك الغزالي للذين لم يرضهم هذاالقانون ويطمئن قلوبهم حولالأمورالغيبية وصايا ثلاث يدعوهم الىالأخذ بها حتى لا يتيهوا في بيداء الوهم:1- الوصية الأولى : أن لا يطمع المرء فيالاطلاع على جميع الأمور الغيبية.2- الوصية الثانية : أن لا يكذب برهانالعقل أصلا فإن العقل لا يكذب اذ بهعرفنا الشرع.3- الوصية الثالثة : أن يكف عن تعيينالتأويل عند تعارض الاحتمالات لأن وجوهالاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسعفيها كثير فمتى ينحصر ذلك فالتوقف فيالتأويل أسلم , فإن الحكم على الغيبياتبالظن والتخمين خطرلأن أكثر ما قيل فيالتأويلات ظنون وتأويلات, والتخمينوالظن جهل. هذا النص هو على الغاية من الابتكاروالجدة ومن لم يصدق فليسترق السمع في مايقوله الغزالي في رسالته المذكورة :" بين المعقول والمنقول تصادم في أولالنظر وظاهر الفكر, والخائضون فيهتحزبوا الى مفرط بتجريد النظرالىالمنقول, والى مفرط بتجريد النظر الىالمعقول, والى متوسط طمع في الجمعوالتلفيق. والمتوسطون انقسموا الى منجعل المعقول أصلا , والمنقول تابعا, فلمتشتد عنايتهم بالبحث عنه, والى من جعلالمنقول أصلا والمعقول تابعا والى منجعل كل واحد أصلا ويسعى في التأليفوالتوفيق بينهما." أما بخصوص الفرقة المحقة فإن الغزالييحدد ملامحها كما يلي :" هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحثعن المعقول و المنقول , الجاعلة كل واحدمنهما أصلا مهما , المنكرة لتعارض العقلوالشرع وكونه حقا , ومن كذب العقل فقد كذبالشرع , اذ بالعقل عرف صدق الشرع ولولاصدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بينالنبي والمتنبي والصادق والكاذب , وكيفيكذب العقل بالشرع وما ثبت الشرع الابالعقل.وهؤلاء هم الفرقة الحقة, وقدنهجوا منهجا قويما إلا أنهم ارتقوامرتقى صعبا وطلبوا مطلبا عظيما , وسلكواسبيلا شاقا , وانتهجوا مسلكا ما أوعره.ولعمري ان ذلك سهل يسير في بعض الأمورولكن شاق عسير في الأكثر.نعم , من طالتممارسته للعلوم , وكثر خوضه فيها يقدرعلى التلفيق بين المعقول والمنقول فيالأكثر بتأويلات قريبة , ويبقى لا محالةعليه موضعان: موضع يضطر فيه الى تأويلاتبعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها , وموضعآخر لا يتبين له فيه وجه التأويل أصلا ,فيكون ذلك مشكلا عليه من جنس الحروفالمذكورة في أول السور اذا لم يصح فيهامعنى بالنقل. ومن ظن أنه سلم عن هذينالأمرين فهو اما لقصوره في المعقولوتباعده عن معرفة المحالات النظرية فيرىما لايعرف استحالته ممكنا , واما لقصورهعن مطالعة الأخبار ليجتمع له منمفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول..." وما يلفت للإنتباه ويثير الدهشة والاستغراب أن الغزالي لا ينظر الىالتأويل كنمط معرفة ومنهج للوصول الىالحقيقة بل كمقام للإنسان في العالمونمط وجود وهذا في حد ذاته دليل علىحداثته وقدراته التجديدية.فقد جاء في رسالته : فصل التفرقة بينالاسلام والزندقة أن درجات التأويل هيدرجات وجود وأن من أراد تخطي ورطةالتكفير ويفصل بين الكفر والايمان لابدأن يعرف حد التكذيب والتصديق وحقيقتهما.يعترف أبو حامد بصعوبة وضع حد للكفر لأنشرح ذلك طويل ومدركه غامض ولكنه يعطيناعلامة صحيحة تكفينا عن تكفير المخالفينوتطويل اللسان في أهل الاسلام , اذ يقولفي هذا السياق : " الكفر هو تكذيب الرسولعليه الصلاة  والسلام في شيء مما جاء به ,والايمان تصديقه في جميع ما جاء به...التصديق انما يتطرق الى الخبر بل الىالمخبر, وحقيقة الاعتراف بوجوه ما أخبرالرسول صلعم عن وجوده الا أن للوجود خمسمراتب ولأجل الغفلة عنهما نسبت كل فرقةمخالفها الى التكذيب فإن الوجود ذاتيوحسي وخيالي وعقلي وشبهي فمن اعترفبوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاةوالسلام عن وجوده بوجه من هذه الوجوهالخمسة فليس مكذب على الاطلاق..." 1- الوجود الذاتي هو المعروف الذي يجريعلى الظاهر فلا يحتاج الى مثال ولا يتأولوهو الوجود المطلق الحقيقي أي الوجودالثابت خارج الحس والعقل.2- الوجود الحسي يكون موجودا في الحسويختص به الحاس ولا يشاركه غيره وأمثلتهفي التأويلات كثيرة مثل تشبيه الموتبالكبش الأملح وتشبيه اتساع عرض الجنةبعرض الحائط.3- الوجود الخيالي هو صورة المحسوسات اذاغابت عن الحس فتوجد بكمال صورتها فيالدماغ لا في الخارج والغرض من هذا النمطمن الوجود هوالتفهيم بالمثال.4- الوجود العقلي فهو أن يكون للشيء روحوحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناهدون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارجومثالاتها كثيرة نذكر منها يد الله وهييد عقلية لها معنى هو حقيقتها هو قدرتهاعلى البطش.5- الوجود الشبهي " فهو أن لا يكون نفسالشيء موجودا لا بصورته و لا بحقيقته لافي الخارج و لا في الحس و لا في الخيال ولا في العقل و لكن يكون الموجود شيئا آخريشبهه في خاصة من خواصه و صفة من صفاته... ومثاله الغضب والشوق والفرح والصبر وغيرذلك مما ورد في حق الله تعالى" .ويربط الغزالي بين قانون التأويل ودرجاتالوجود الخمسة فمن لزم هذه الدرجات فهومصدق ولا ينبغي تكفيره بقوله في نفسالرسالة :"ان كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرععلى درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقينو انما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعانيو يزعم أن ما قاله لا معنى له و انما هوكذب محض و غرضه فيما قاله التلبيس أومصلحة الدنيا و ذلك هو الكفر المحض والزندقة". ويمكن أن نخلص الى النتائج التالية :- لا يلزم الكفر بالتأويل ولا ينبغيتكفيرالمؤولين ماداموا يلزمون القانونالمطلوب. - ما من فريق من أهل الاسلام الا وهو مضطرالى التأويل.- من الناس من يبادر الى التأويل بغلباتالظنون من غير برهان قاطع.- رجوع الناس في التأويل الى محض القريحةوالطبع دون الوزن بميزان والاحتكام الىقانون.- موقع الغلط في التأويل هو التباس قضاياالوهم بقضايا العقل والكلمات المشهورةالمحمودة بالضروريات والأوليات.- اتفقت الفرق على أن القانون هو هذهالدرجات الخمس من التأويل.- أبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أنتجعل الكلام مجازا أو استعارة هو الوجودالعقلي والوجود الشبهي.- ان لم يمس المؤول أصول العقائد فلاينبغي تكفيره .يقول الغزالي :"فاسمع الآن قانون التأويل فقد علمتاتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس فيالتأويل وأن شيئا من ذلك من حيز التكذيبواتفقوا أيضا على أن جواز ذلك موقوف علىقيام البرهان على استحالة الظاهروالظاهر الأول هو الوجود الذاتي فإن إذاثبت تضمن الجمع . فإن تعذر فالوجود الحسيفإنه إن ثبت تضمن ما بعده.فإن تعذرفالوجود الخيالي أو العقلي. وان تعذرفالوجود الشبهي المجازي ولا رخصة للعدولعن درجة الى ما دونها الا بضرورة البرهانفيرجع الاختلاف على التحقيق الىالبراهين." بيد أن نظرية الغزالي في التأويل ظلت محلخلاف وموضع نظر وذلك لصعوبة  تصنيفها اذارتاب البعض حول اعتبارها نظرية ظاهريةفي التأويل بينما ذهب البعض الآخر الىادراجها ضمن التأويل الباطني. فكيف تلقىالفلاسفة التابعون هذا القانون فيالتأويل ؟ وماهو موقف حكيم قرطبة أبوالوليد ابن رشد منه ؟ وهل كانت علاقتهبالامام الغزالي على جهة القطيعة والتخاصم أم على جهة الاتصال والتكميلوالاستثمار ؟2- الفلسفة والتأويل عند ابن رشد :ربما الفرضية الأكثر وضوحا في هذهالمقاربة تتمثل في أن الخصومة المشهورةبين الغزالي وابن رشد حول الفلسفةوخوضها في القضايا الغيبية وخاصة فيمسألة قدم العالم والعلم الالهي وحقيقةالبعث لا علاقة لها بالواقع وليس لها محلللإعراب في مستوى اشكالية التأويل لأنحكيم قرطبة ذهب نفس المنحى الذي ذهبه أبوحامد في كتابه" فصل التفرقة" باعترافههوعلى ذلك :"وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم الابالبرهان فقد تلطف الله فيها لعبادهالذين لا سبيل لهم الى البرهان اما منقبل فطرهم واما من قبل عاداتهم واما منقبل عدمهم أسباب التعلم بأن ضرب لهمأمثالها وأشباهها ودعاهم الى التصديقبتلك الأمثال أذ كانت تلك الأمثال يمكنأن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركةللجميع , أعني الجدلية والخطابية. وهذاهو السبب في أن انقسم الشرع الى ظاهروباطن.فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبةلتلك المعاني والباطن هو تلك المعانيالتي لا تنجلي الا لأهل البرهان. وهذه هيأصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسةالتي ذكرها أبو حامد في كتاب التفرقة." لكن كيف نفهم نقد ابن رشد للغزالي و حملهعليه وتهفيت اعتراضاته على الفلاسفة فيكتابه "تهافت التهافت" ؟أليس هو القائل : "جاء أبو حامد فطمالوادي على القرى وذلك أنه صرح بالحكمةكلها للجمهور وبآراء الحكماء على ماأداه اليه فهمه وذلك في كتابه الذي سماهبالمقاصد فزعم أنه انما ألف هذا الكتابللرد عليهم ثم وضع كتابه المعروف بتهافتالفلاسفة فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة منجهة خرقهم فيها للإجماع كما زعم وبدعهمفي مسائل وأتى فيه بحجج مشككة وشبه محيرةأضلت كثيرا من الناس عن الحكمة وعنالشريعة.ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن :إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويلجدلية وأن الحق إنما أثبته في المضنون بهعلى غير أهله, ثم جاء في كتابه المعروفبمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفينبالله فقال : إن سائرهم محجوبون إلاالذيناعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماءالأولى وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذاتصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء فيالعلوم الالهية. وقد قال في غير ما موضع :إن علومهم الإلهية هي تخمينات بخلافالأمر في سائر علومهم. وأما في كتابه الذي سماه المنقذ منالضلال فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلىأن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة ,وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتبالأنبياء في العلم وكذلك صرح بذلك بعينهفي كتابه الذي سماه بكيمياء السعادةفصار الناس بسبب هذا التشويش والتخليطفرقتين فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمةوفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفهالىالحكمة.  وهذا كله خطأ بل ينبغي أن يقررالشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهوربالجمع بينه وبين الحكمة." ألا يفيد هذا النص أن ابن رشد قد اعتبرالغزالي من الذين أضروا بالحكمةوبالشريعة معا ؟في الواقع ان "قانون التأويل" عند حكيمقرطبة لا يختلف كثيرا عن" قانون التأويل"عند أبو حامد بل نجد اشادة وثناء من طرفالأول على فضل الثاني عليه وينبغيالتقليل من هذا النص ذائع الصيت لأنهموجود في كتاب جدلي هو "الكشف عن مناهجالأدلة" ولأن هناك نصوص أخرى تنسخه وتثبتعكسه. فقد ذكر في" تهافت التهافت" ما يلي :" والذين شكوا في في هذه الأشياء وتعرضوالذلك و أفصحوا به انما هم الذين يقصدونابطال الشرائع و ابطال الفضائل وهمالزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسانإلا التمتع باللذات . هذا مما لا يشك أحدفيه . ومن قدر عليه من هؤلاء فلا يشك أنأصحاب الشرائع و الحكماء بأجمعهميقتلونه . ومن لم يقدر عليه فإن أتمالأقاويل التي يحتج بها عليه هي الدلائلالتي تضمنها الكتاب العزيز. وما قاله هذاالرجل في معاندتهم هو جيد . ولابد فيمعاندتهم أن توضع النفس غير مائتة كمادلت عليه الدلائل العقلية والشرعية .وأنيوضع أن التي تعود هي أمثال هذه الأجسامالتي كانت في هذه الدار لا بعينها لأنالمعدوم لا يعود بالشخص وانما يعودالموجود لمثل ما عدم لا لعين ما عدم كمابين أبو حامد." والآن ماهو قانون التأويل عند حكيمالفردوس المفقود ؟ وماهي المبادىء التيأخذها عن الغزالي ؟يقاوم ابن رشد ما وقع في عقائد الملةبحسب التأويل من الشبه المزيغة والبدعالمضلة ومن الاضطراب والابتداع في فهمالشريعة مما سهل ميلاد الفرقة والتطاحنفيما بينها, ويحدد مقصده كما يلي :- التفرد بالبحث عن الحكمة.- مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها.- فهم مقاصد الشريعة بالاعتصام بقانونللتأويل.- اتباع السنة و تقليد رسالة النبيلملته.- الاطلاع على مكنونات العلم الالهي .-  معرفة مفهوم الوحي بالبقاء على ظاهرالنصوص ورفض مغالاة الباطنية .- تفادي زيغ الزائغين و تحريف المبطلين.- اعتماد القياس البرهاني في النظر الىالموجودات.وقد انكشف لإبن رشد أن من التأويلاتالتي خاضت فيها الفرق : الأشعريةوالمعتزلة والباطنية والحشوية ما لميأذن به الله ورسوله. هذه التأويلاتالمبتدعة هي أقاويل محدثة صرفت كثيرا منألفاظ الشرع عن ظاهرها اذا تؤملت جميعهاظهر أنها تتفق تماما مع المبادىءالمذهبية لهذه الفرق – الأصول الخمسةعند المعتزلة مثلا.يقول ابن رشد : " إن الشريعة قسمان ظاهرومؤول وإن الظاهر منها فرض الجمهور وإنالمؤول هو فرض العلماء. وأما الجمهورففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويلهوأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويلهللجمهور كما قال علي رضي الله عنه : حدثواالناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب اللهورسوله." التأويل ضرورة لا مناص منها بالنسبةلإبن رشد ليس لفهم المتشابه من النصالديني وتجاوز التناقض بين المنقولوالمعقول بل لأنه الوسيلة المثلىللمحافظة على شمولية الوحي وانفتاحه علىجميع الناس مهما كانت فطرهم وملكاتهمالمعرفية .يعرف ابن رشد التأويل على النحو التالي :" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ منالدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازيةمن غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب فيالتجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببهأو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك منالأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلامالمجازي . واذا كان الفقيه انما عندهقياس ظني والعارف عنده قياس يقيني ونحننقطع قطعا أن كل ما أدى اليه البرهانوخالفه الشرع , أن ذلك الظاهر يقبلالتأويل على قانون التأويل العربي, وهذهالقضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب فيهامؤمن وما أعظم ازدياد اليقين بها عند منزاول هذا المعنى وجربه, وقصد هذا القصدمن الجمع بين المعقول والمنقول." فهل يميز فيلسوف قرطبة في هذا النص بينالفلسفة الاغريقية والتأويل العربيتماما مثل تمييزه بين القياس اليقينيوالقياس الظني أم أن الأمر أبعد من ذلك ؟اذا تأملنا هذا النص بعيون هرمنوطيقيةمعاصرة تبين لنا أن مرجعية التأويلثنائية: 1- الحصول على صناعة البرهان بالوصول الىالحقائق اليقينية عن طريق القياس العلميومعرفة الأقاويل المضللة الأخرى مثلالأقاويل الجدلية والخطابية والشعريةوالسفسطائية .2- فهم قوانين اللغة العربية وامعانالنظر في علم الصرف والنحو والبيانوالاعراب والبلاغةوالتمكن من جميع النواحي الفلولوجيةالتي من شأنها تسريع النظر في كيفيةاصابة المعنى واسناد الأسماء للأشياء.من هنا فإن التقيد باللسان العربي يفيداحترام الأسس التالية : - ان السان العربي لا يحتوي على خاصيةالترادف بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكنأن يكون لها أكثر من معنى مثل فعل أمر.- العلاقة بين الألفاظ والمعاني هي علاقةشائكة اذ نجد تارة الألفاظ هي خدمللمعاني والمعاني هي المالكة سياساتهااذا حصلوها تساهلوا في العبارة عنهاوطورا المعاني تابعة للألفاظ وتتغيربتغير بنيتها .- الأخذ بعين الاعتبار أصالة اللسانالعربي من حيث أفعال الأضداد في المعانيمثل فعل عبد وخفي وأفعال المعانيوالأصوات مثل علق- قلع وكتب- بتك وضاف-فاض, أي ضرورة معرفة فقه اللغة العربية.- معرفة قانون التأويل العربي هو معرفةأصناف الكلام المجازي وعادة العرب فيالتجوز و طرق اسناد الأسماء الى الأشياء من تشبيه وسبب وقرين وملحق.من المعلوم أن ابن رشد ترجم كتب أرسطوالمنطقية واطلع على الرابطة المنطقيةبين الأشياء والألفاظ والمعاني اذ جاءفي تلخيص كتاب العبارة ما يلي :"ان الألفاظ التي ينطق بها هي دالة أولاعلى المعاني التي في النفس والحروف التيتكتب هي دالة أولا على هذه الألفاظ. وكماأن الحروف المكتوبة – أعنى الخط- ليس هوواحدا بعينه لجميع الأمم كذلك الألفاظالتي يعبر بها عن المعاني ليست واحدةبعينها عند جميع الأمم. ولذلك كانت دلالةهذين بتواطؤ لا بالطبع. وأما المعانيالتي في النفس فهي واحدة بعينها للجميعكما أن الموجودات التي المعاني التي فيالنفس أمثلة لها ودالة عليها هي واحدةوموجودة بالطبع للجميع" هنا يطرح ابن رشد نظريته في الدلالةمأخوذة من أرسطو ويشير الى عالميةالتأويل وكونية قانونه بما أن المعانيهي واحدة وموجودة بالطبع للجميع. ويجعلمن التأويل العروة الوثقى والصلةالرابطة بين الحكمة الفلسفية وعقائدالملة وبين البرهان والشريعة خرصا منهعلى وحدة العقل ونسقية المعرفة وانتظامالجماعة ولكنه يترك الباب مفتوحا لحقالاختلاف وتعددية المناهج المؤدية الىالفهم والافهام.وهذا الاختلاف واضح للعيان في مستوىمراتب الادراك ومناهج التصديق ومجالاتالتأويل.يقسم ابن رشد الناس على عادة الفلاسفةالى ثلاثة  طبقا لللآية الكريمة:" وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظةالحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن ". 1- الجمهور وهم طائفة لا علاقة لهمبالتأويل أصلا لا يمارسونه ولا يجب أنيصرح لهم به بل يتلقنون الدين تلقيناويعملون بالظاهر ولا يدركون المعقولاتالا متخيلا أو ممثلا ومحسوسا.يقول في هذا السياق : " الشيء الذي تتوقفعليه سعادتهم يقدمه لهم في صورة مثال منالشاهد حتى يتمكنوا من تصوره ".2- أهل الجدل و هم طائفة من المتكلمينالذين أولوا النصوص تبريرا لمواقفهمالايديولوجية ومصالحهم الضيقة وحاكواأفكار الفلاسفة دون الوصول الى حقائقهموابتدعوا في الشرع أمورا لايتحملها.وقد نقد ابن رشد الجانب الكلامي من فكرالغزالي بقوله : " هذا الرجل أوقع هذاالخيال في هذا العالم العظيم وأبطل علىالناس الوصول الى سعادتهم بالأعمالالفاضلة..."3- أهل البرهان وهم من أصحاب اليقينالفلاسفة الذين توصلوا الى فك رموزالكون وفهموا على قدر المستطاع أسرارالطبيعة ومقاصد الشارع وهم الذين عناهمالله في قرآنه بالراسخين في العلموالذين ارتقوا الى مرتبة الايمان عنطريق التأويل الصحيح للشريعة .أما مناهج التصديق فهي ثلاثة : البرهانية( الحكمة ) والجدلية ( الموعظة الحسنة)والخطابية( جادلهم بالتي هي أحسن).هنا يقدم ابن رشد الشريعة على الفلسفةلأن الفلسفة لا تشجع الا على منهجالبرهان في التصديق فيما تبكت الجدلوالخطابة أما الدين فإنه يشجع مناهجالتصديق الثلاث لحاجتنا اليها من أجلافهام العامة والخاصة وخاصة الخاصة نظرالأنه لكل مقام مقال ولضرورة مخاطبةالناسعلى قدر مستوى ادراكهم.ويميز ابن رشد بين درجات التأويل ( مستوىالذهاب من اللفظ الى المعنى ومن الظاهرالى الباطن ) وأصناف المدركين ( قوةالادراك والاستعدادات الذهنية لدىالناس).ويقسم الشريعة الى ثلاثة أصناف : - نصوص محكمة قطعية لا يجوز تأويلهاوينبغي البقاء في الظاهر.- نصوص متشابهة يمكن( يجوز) تأويلها دوناخراجها عن سياقها اللغوي.- نصوص متشابهة وعويصة يجب( ينبغي)تأويلها لحل التناقض بينها وبين المنطقوالعقل والواقع.يقول ابن رشد متحدثا عن قانون التأويل :" إن المعاني الموجودة في الشرع توجد علىخمسة أصناف وذلك أنها تنقسم أولا الىصنفين , صنف غير منقسم, وينقسم الآخرمنهما الى أربعة أصناف . فالصنف الأولالغير منقسم هو أن يكون المعنى الذي صرحبه هو بعينه المعنى الموجود بنفسه.والصنف الثاني المنقسم هوأن لا يكونالمعنى المصرح به في الشرع هو المعنىالموجود وانما أخذ بدله على جهة التمثيل.وقد انقسم هذا الصنف الى أربعة أقسام :أولها أن يكون المعنى الذي صرح بمثاله لايعلم وجوده الا بمقاييس بعيدة مركبةتتعلم في زمان طويل وصنائع جمة وليس يمكنأن تتقبلها الا الفطر الفائقة ولا يعلمأن المثال الذي صرح به فيه هو غيرالممثلالا بمثل هذا البعد الذي وصفناه.والثاني مقابل هذا وهو أن يكون يعلم بعلمقريب منه الأمران جميعا , أعني : كون ماصرح به أنه مثال ولماذا هو مثال.والثالث أن يكون يعلم بعلم قريب أنه مثاللشيء و يعلم لماذا هو مثال بعلم بعيد.والرابع عكس هذا وهو أن يعلم بعلم قريبلماذا هو مثال و يعلم بعلم بعيد أنه مثال.فأما الصنف الأول من الصنفين الأولينفتأويله خطأ بلا شك. وأما الصنف الأول منالثاني وهو البعيد في الأمرين جميعافتأويله خاص بالراسخين في العلم ولايجوز التصريح به لغير الراسخين. وأماالمقابل لهذا وهو القريبفي الأمرينفتأويله هو المقصود منه والتصريح بهواجب.وأما الصنف الثالث ففي تأويله نظر: لأنهذا الصنف لم يأت فيه التمثيل من أجلبعده على أفهام الجمهور وانما أتى فيهالتمثيل لتحريك النفوس اليه. وهذا مثلقوله عليه السلام : " الحجر الأسود يمينالله في الأرض", وغيره مما أشبه هذا ممايعلم بنفسه أو بعلم قريب أنه مثال , ويعلمبعلم بعيد لماذا هو مثال. فإن الواجب فيهذا ألا يتأوله الا الخواص من العلماء.ويقال للذين شعروا أنه مثال, ولم يكونوامن أهل العلم لماذا هو مثال: اما أنه منالمتشابه الذي يعلمه العلماء الراسخون.واما أن ينقل التمثيل فيه لهم الى أقربمن معارفهم أنه مثال.وهذا كأنه أولي منجهة ازالة الشبهة التي في النفس من ذلك...وأما الصنف الرابع وهو المقابل لهذا وهوأن يكون كونه مثالا معلوما بعلم بعيد إلاأنه اذا سلم أنه مثال ظهر عن قرب لماذا هومثال ففي تأويل هذا نظر : أعني عند الصنفالذين يدركون أنه مثال الا بشبهة وأمرمقنع , اذ ليسوا من العلماء الراسخين فيالعلم. فيحتمل أن يقال ان الأحفظ بالشرعألا تتأول هذه وتبطل عند هؤلاء الأمورالتي ظنوا من قبلها أن ذلك القول مثال,وهوالأولى. ويحتمل أيضا أن يطلق لهمالتأويل لقوة الشبه الذي بين ذلك الشيءوذلك الممثل به.الا أن هذين الصنفين متى أبيح التأويلفيهما تولدت منها اعتقادات غريبة وبعيدةمنظاهر الشريعة وربما فشت فأنكرهاالجمهور. وهذا هو الذي عرض على الصوفيةولمن سلك من العلماء هذا المسلك." لو قمنا بتفكيك هذا القانون وخلخلةأبنيته الضمنية لتوصلنا الى ما يلي :- المدلولات الباطنية (المعاني) خمسة:1- المعنى المصرح به من خلال ظاهر اللفظهو المعنى الموجود بنفسه ولا يحتاج الىتأويل أو لا يجوز تأويله.2- المعنى المبحوث عنه هو غير المعنىالمصرح به وانما موجود في اللفظ على جهةالتمثيل. والجدير بالملاحظة أن النص فيهذا الصنف الثاني لا يفهم  في ظاهره بلمعناه مختفي ولابد من اظهاره والبحث عنهبالانتقال من الحقيقة الى المجاز ومنالظاهر الى الباطن ومن اللفظ الىالمعنى.ويستوجب قانون التأويل هنا معرفة أمرين:- تصيد المثال( المتشابه/ الرمز/ المجاز/الاستعارة) لتحديد صورة الخطاب.- قنص معنى المثال على عادة اللسانالعربي.وينقسم هذا الصنف الى أربعة :1- معنى المثال شديد الغموض وعويص لبعدالعلاقة بين صورة الخطاب ومضمونه, وهذاالمعنى لا يصل اليه الا الراسخون فيالعلم ولا يجوز اطلاع العامة عليه.2- معنى المثال في المتناول يعلم بيسروسهولة لقرب المسافة بينه وبين صورةالخطاب وهذا النوع من المعاني يعلمهالكل ومن المباح اطلاع العامة عليه.3- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال بسهولةولكن معناه لا يتوصل اليه الا بمشقةوالمقصود بهذا النوع تحريك العقول وحفزالهمم حتى تقبل على التدبر والاعتباروالنظر والتفكر والتعقل وهو خاص بالقلةمن أصحاب الفطر الفائقة.4- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال هو أمرعلى غاية من الصعوبة ولكن ادراك معناهسهل المنال اذا ظهر مثاله طهر معناه.التأويل الصحيح عند فيلسوف قرطبة هوالبرهان وهو" الأمانة التي حملهاالانسان فأبى أن يحملها وأشفق منها جميعالموجودات." ومن حرف الشريعة بتأويل فاسدلا يكون ظاهرا بنفسه أو أظهر منها للجميعفقد أوقع الناس في البدع والتباغضوالتكفير والحروب ومزق الشرع وعطلأركانه.لكن كيف ميز ابن رشد بين تأويلات صحيحةوتأويلات فاسدة ؟يتبنى ابن رشد التصور العام الذي يطرحالعالم بكل مكوناته بوصفه دلالاتوعلامات على حكمة الصانع وقدرة الخالقوعلمه ويردم الفجوة بين الحكمة والشريعةويسند للفلسفة مهمة فك رموز هذا العالمبالبرهان, فالمعرفة الفلسفية هي تأملآيات العالم بالبرهان وهي طريق الايماناليقيني الذي لا يحصل عليه الا الراسخونفي العلم.وواضح أن أهل التأويل هم أهل الحكمة وأنالتأويل هو البرهان الفلسفي ومهمتهالتعرف على مقصد الشرع , لذلك يقول حكيمالفردوس المفقود :" وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع انما هوتعليم العلم الحق والعمل الحق .والعلم الحق هو معرفة الله تبارك وتعالىوسائر الموجودات على ماهي عليه  وبخاصةالشريفة منها ومعرفة السعادة الأخرويةوالشقاء الأخروي . والعمل الحق هو امتثالالأفعال التي تفيد السعادة وتجنبالأفعال التي تفيد الشقاء والمعرفة بهذهالأفعال هي التي تسمى العلم العملي." ولا يعتبر ابن رشد التأويلات الجمهوريةتأويلات فاسدة بل يراها مناسبة للملكاتالادراكية للعامة بينما الخاصة ينبغيعليهم أن يدركوا الحقائق بالبرهان, اذيصرح في هذا السياق :" وبالجملة فكل ما يتطرق له من هذه تأويللا يدرك الا بالبرهان ففرض الخواص فيه هوذلك التأويل وفرض الجمهور هو حملها علىظاهرها في الوجهين معا أعني في التصوروالتصديق اذ كان ليس في طباعهم أكثر منذلك ..." و يربط ابن رشد التأويل بفضيلة العدل فيالتطبيق لأن أي اخلال بشروط التأويليؤدي الى الكفر و الصد عن الشرع, اذ يقول :" و أما من كان من غير أهل العلم فالواجبعليه حملها على ظاهرها و تأويلها في حقهكفر لأنه يؤدي الى الكفر.ولذلك نرى أن من كان الناس فرضه الايمانبالظاهر فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤديالى الكفر, فمن أفشاه له من أهل التأويلفقد دعاه الى الكفر والداعي الى الكفركافر..." ويقسم ابن رشد الناس الى ثلاث :- قوم تطرقوا الى ثلب الحكمة وهمالجاحدون من الفقهاء.- قوم تطرقوا الى ثلب الشريعة  وهمالمارقون من الدهريين.- قوم جمعوا بين الحكمة والشريعة وهومنهم وهم الفلاسفة المؤمنون علىالحقيقة.ويرى وجود ثلاث احتمالات عندما يتأولالبرهان الشرع :- احتمال أول هو أن يصل البرهان الى حقائقسكت عنها الشرع وهنا ليس ثمة مشكلةباعتبار أن البرهان يكمل الشرع فيالمجالات التي لم يتطرق اليها.- احتمال ثاني هو أن يصل البرهان الى نفسالحقائق التي كان الشرع قد دعا اليهاوهنا ليس ثمة مشكلة باعتبار أنهمامتطابقان متفقان.- احتمال ثالث هو أن يتناقض ما يتوصل اليهالبرهان مع ما دل عليه الشرع في بادىءالرأي وهنا مشكل لابد من مواجهته والحلهو ضرورة التأويل لإزالة التناقض بينظاهر الشرع وحقائق البرهان وذلك تصديقالمبدأ " عدم مخالفة الحق للحق" وعدممخالفة قوانين الغة العربية في افادةالمعنى وبناء الدلالة.ويعترف ابن رشد باختلاف التأويلاتوبامكانية وقوع المؤول المجتهد في الخطأويرى ضرورة التساهل معه لكونه بذل جهداوحاول الابتعاد قدر الامكان عن الوقوعفي الزلل,ويقول في هذه النقطة : " و يشبهأن يكون المخطىء في هذه المسألة منالعلماء معذورا و المصيب مشكوراأومأجورا..." غير أن المتن الرشدي حول هذه القضية بقيمحل خلاف وتأويلاته حول قانون التأويلظلت موضع  جدل :- اذ يرى البعض أن التأويل يجب أن يكون منالمجاز الى الحقيقة وليس من الحقيقة الىالمجاز باعتبار أن البرهان هو رحلة منالمعلوم (اللفظ الظاهر) الى المجهول(المعنى الباطن).- يرى البعض الآخر أن الواو التي توجد فيآيات آل عمران بين الله والراسخين فيالعلم لا تعني واو عطف بل واو استئنافوبالتالي يصبح معنى الآيات أن الحقائقلا يعلمها أحد غير الله وأن مهمةالراسخين في العلم هي التسليم والايمانبهذا العلم الالهي الكامل  وارادتهالمطلقة.- هناك عدم تناغم بين ابن رشد الفقيه فيكتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وابن رشد الفيلسوف في شروحه وتفاسيرهلكتب المعلم الأول أرسطو.- التأويل عند ابن رشد لم يبرز الا عندجداله مع المتكلمين ومحاولاته للرد على أطروحاتهم  فكأن آرائه التأويلية لم تكننتيجة ايمان عميق بحاجة النسق الفلسفيالى قانون في التأويل بل كانت اضطراراولمنفعة مؤقتة ان لم نقل تقية حتى يتفادىالتصادم مع المقدس الديني ولا يشهر بهالفقهاء.- لم يتفطن ابن رشد الى أهمية كتابالعبارة ولم يحاول استخراج حد للتأويلمن هذا الكتاب بل ظل يتعامل مع الأقاويلالشعرية والسفسطائية والجدلية على أنهادون القول العلمي ولا ينبغي أن يعتد بهافي مستوى التمييزبين الجيد والردىءخصوصا أمام توفر شروط القياس البرهاني.- ظل ابن رشد سجين التصور الأرسطي للكونوخصوصا فكرة الكوسموس المغلق وايمانهبالظاهرية في مستوى الاشتغال على النصوصووضعه قيود على المتفكرين في القضاياالغيبية تندرج في هذا السياق وليس لمجردوعي ابن رشد بضرورة وضع حدود للعقل حتىلا يتيه في عالم من الأوهام .فكيف نفهم مثل هذا التصريح في تهافتالتهافت :"وما قاله هذا الرجل (أبو حامدالغزالي) في معاندتهم جيد.ولابد فيمعاندتهم أن توضع النفس غير مائتة كمادلت عليه الدلائل العقلية والشرعية". اختتام :غني عن البيان أن الحجة الدامغة علىعلاقة القرابة وجسور التواصل ونقاطالاستمرارية بين الغزالي وابن رشد حولقانون التأويل هو نص ابن رشد نفسه فيالكشف عن مناهج الأدلة عندما قال :" والقانون وهو أقرب الي في هذا النظر هوما سلكه أبو حامد في كتاب التفرقة وذلكبأن يعرف هذا الصنف من الناس أن الشيءالواحد بعينه له وجودات خمس : الوجودالذي يسميه أبو حامد: الذاتي والحسيوالخيالي  والعقلي والشبهي. فإذا وقعتالمسألة نظر أي هذه الوجودات الأربع هيأقنع عند هذا الصنف الذي استحال عندهم أنيكون الذي عني به هو الوجود الذاتي, أعنيالذي هو خارج , فينزل لهم هذا التمثيل علىذلك الوجود الأغلب على ظنهم امكانوجوده... فيجب في هذا أن ينزل للصنف الذينشعروا بهذا من الناس على أقرب تلكالوجودات الأربع شبها. فهذا النحو منالتأويل اذا استعمل في هذا المواضع وعلىهذا الوجه ساغ في الشريعة . وأما اذااستعمل في غير هذه المواضع فهو خطأ ..." ومن الواضح اذن أن ابن رشد ينهض لإكمالالمشروع الذي كان قد بدأه الغزالي فيبناء قانون للتأويل فكأن نص الغزالي لميجد وضوحه النظري ولم تحل نقاط غموضه الامع نص ابن رشد وهذا بين وجلي. اذ يقولفيلسوف قرطبة في هذا السياق:" وأبو حامد لم يفصل الأمر في ذلك مثل أنيكون الموضع يعرف منه الأمران جميعابعلم بعيد أعني كونه مثالا ولماذا هومثال فيكون هناك شبهة توهم في بادىءالرأي أنه مثال وتلك الشبهة باطلة. فإنالواجب في هذا أن تبطل تلك الشبهة ولايعرض للتأويل كما عرفناك في هذا الكتابفي مواضع كثيرة عرض فيها هذا الأمرللمتكلمين أعني الأشعرية والمعتزلة..." يمكن أن نحدد نقاط التقارب الأخرى بينالرجلين:- الاشادة بالفلسفة والعقل و دورهما فيفهم الشرع و الكون.- الاشادة بالشريعة ومنافع المقاصد التيأنزلت من أجلها- التوفيق بين الحكمة والشريعة و بينالنقل و العقل.- الحمل على علم الكلام و تبكيت أهل الجدللما سببه من أزمة في الدين والعقل.- الايمان بضرورة التأويل لنقل المعانيالعقلية الى الناس و تفهيمهم اياهابالمثال.- الاعتقاد أن الاجماع في الأمور النظريةغير ممكن على خلاف الأمور العملية.- انحياز الى التعددية و حق الاختلاف فيمراتب الفهم ودرجات التأويل.- القول بظنية الاجماع في الفقه و الدعوةالى الاحياء والتجديد واعادة تأصيلالأصول.غير أن الاشكال الذي لا ينذر بالوصول الىحل يتمثل في أن ابن رشد يعتبر من أهلالظاهر بينما أبو حامد الغزالي يعد منرواد أهل الباطن وبالتالي ان حديثنا عنوجود قرابة هو كالحديث عن الجمع بينالمتناقضات.ما هو إشكالي بالنسبة للرجلين أيضاأنهما ينتميان الى التأولية القديمةالتي تؤمن بوجود معنى قديم مبثوث فيالألفاظ أو الأشياء ويجب اكتشافه ولاتعطي بالتالي للذات المؤولة أي دور فيانتاجه أو تجديده بيد أنهما يشتركان فيالنظر الى التأويل لا كمجرد منهج فيالمعرفة بل كمقام في الوجود وهذا ما بشرتبه التأويلية الحديثة ويمثل في حد ذاتهموطن الغرابة ,الأمر الذي يدعونا الىالبحث عند الفيلسوفين عن مفاهيم مبتكرةفي التأويلية مثل الوضعية التأويليةوالدائرة الهرمينوطيقية وعالميةالتأويل خصوصا عند الغزالي وهو ما يخرجهمن دائرة الموازنة القديمة للتأويل.فالى أي مدى تصح هذه الاستفسارات أمأنها مجرد تخمينات و فرضيات لا أساس لهامن الصحة ؟مراجع البحث :1- مجموعة  رسائل الإمام الغزالي – نسخةمنقحة مصححة باشراف مكتب البحوث والدراسات- دار الفكر للطباعة و النشر والتوزيع - بيروت 2000 .2- ابن رشد  الكشف عن مناهج الأدلة فيعقائد الملة – شروح الدكتور محمد عابدالجابري – مركز دراسات الوحدة العربية– بيروت 20013- ابن رشد  تهافت التهافت – منشورات محمدعلي بيضون- دار الكتب العلمية بيروتلبنان 20014- ابن رشد    فصل المقال في ما بين الحكمةو الشريعة من الاتصال – تصدير  الأستاذمحمد علي الحلواني- سيراس للنشر- تونس 19945- ابن رشد   تلخيص كتاب العبارة – حققهالدكتور محمود قاسم – الهيئة المصريةالعامة للكتاب 1981 

الرد

*
*
سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.

*

  • شارات HTML المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يتم الانتقال إلى سطر جديد آليا.