|
المحتويات
تسجيل دخول
مواضيع المنتدى الجديدة
|
إضافة تعليق
ليس بالجديد القول إن هناك أزمة بنيوية تجتاح العالم الإسلامي عموماً، من ناحية رؤيته للعلاقات القائمة بين أفراده، أو العلاقات القائمة بينه وبين الآخرين أو علاقة الفرد بنفسه. أضف إلى ذلك أزمة تظهر وتتجدد دائماً في فترات الانكسار والهزيمة النفسيين والاجتماعيين تتمثل بالعودة إلى الخرافة وتغييب التفكير المنطقي في قضايا كثيرة، من خلال مشايخ أخذوا على أنفسهم إظهار ما يحصل للبشر من كوارث أنه بسبب البعد عن تفاصيل التشريع. ومثال ذلك ما ينتشر هذه الفترة من أشرطة كاسيت وسيديات أبطالها رجال دين يثير صوتهم الرعب من كثرة تهدجه واصطناع البكاء والذل فيه، وهم يخبرون الناس أن مصائب قد حلت بالبشر، من مثل زلزال تسونامي، إنما هي بسبب الاختلاط بين الذكور والإناث.وتأتي نتائج ثورة الاتصالات لتشكل مادة دسمة لتجار الفتاوى، فمن فتوى عدم جواز دخول المرأة إلى شبكة الإنترنت بدون محرم، إلى تحريم الهواتف النقالة ذات الكاميرا، إلى سيل المحاضرات التي تشرح أخطار البلوتوث والماسنجر ودورهما في إفساد أخلاق النشء المسلم. هناك كمٌّ هائل من المواضيع والقضايا التي ينبري إليها هؤلاء وكأنهم يقولون: تعالوا نعود إلى الخيمة ورعي الإبل فذلك أشرف وأكثر تحصيناً بالإيمان.في أساس أزمة الفكر الإسلامي نجد طريقة قراءة النصوص بحيث تؤخذ بحرفيتها وليس بمقاصدها، وبعيداً عن الزمان والمكان والحالة التي أتت بها، على الرغم من أن النص القرآني إذا قُرِئ بغض النظر عن أسباب النزول بدا شديد التناقض.ومن الأمثلة الكثيرة جداً في هذا الجانب الفارق الشاسع بين الآيات 34-35 من سورة فُصِّلت (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم + وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)، والآية 35 من سورة محمد ( فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السّلْمِ وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم)ْ. إن الاختلاف بين الآيتين كبير جداً... الفرق بين الدعوة إلى المسامحة والمبادرة بالحسنى والتبشير بالخير للصابرين، وبين الدعوة إلى عدم المسامحة بل حوار اللاسلم والوعيد بعدم الثواب في حال التهاون في طلب الحرب.هذا المثال(وغيره الكثير الكثير من الأمثلة) يبررها الفكر الإسلامي الرسمي بأنها آيات تنسخ آيات، بحيث أن الحكم الآتي في الآية الأحدث يلغي ما يخالفه من أحكام في الآيات الأقدم. وهو شأن كان طبيعياً جداً في سياق تطور حركة الدعوة الإسلامية وتحولها إلى مشروع دولة ولاحقاً دولة ذات مقومات داخلية ومصالح خارجية.بعد أكثر من 1400 سنة على بدء الدعوة و هيكلتها لا يزال المسلمون على الأغلب تحت وطأة خطاب القرن السابع الميلادي بما يحمله من أفكار ومفاهيم وطرائق تفكير ومواقف معرفية تجاه المواضيع الإنسانية على اختلافها. فالمختلف دينياً إما مشرك أو كافر، وعليه عقاب ديني ودنيوي. والمرأة ضلع قاصر، و الخارج عن الدين مرتد يستوجب الاستتابة أو القتل، والدولة تحكمها قوانين مستمدة من شريعة القرن السابع الميلادي مهما تنوعت وتعددت عناصر تلك الدولة عرقياً ودينياً، ومهما كانت معطيات الزمان والمكان والحالة مختلفة عما كانت عليه وقتدئذٍ.ضمن هذا المنحى تبرز أهمية الأفكار التي يطرحها المفكر الإسلامي السوداني حسن الترابي، وهو إن لم يكن الأول في طرح التجديد وليس الوحيد (فقبله كان علي عبد الرازق وعبد الله العلايلي وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم، وفي هذه الفترة نجد نصر حامد أبو زيد وجودت سعيد ومحمد شحرور ومحمد حبش وراشد الغنوشي وغيرهم) إلا أن جرأته وطرحه لأمور غاية في الراديكالية تجعل من الأهمية بمكان الوقوف عند هذا الرجل وطروحه المبنية على مبدأ ثبات النصوص وتغير التفاسير بتغير الزمن.يقول الترابي في مقابلة أجرتها معه (المشاهد السياسي-عدد 533):( تجديد الفكر الديني لا يعني الخروج على الإسلام أبداً. نحن لم نكفر ولم نحرّف ولم نغيّر بالقرآن حرفاً. القراءة تختلف والتفسير يختلف والفهم، وهي الأمور التي يجب أن تتطوّر وتتغيّر وتتجدّد، لأن الزمن يتغير والظروف تتغير، والحياة لا تقف عند ثوابت تتعلّق بسلوك الإنسان وتطوّر القوانين والنظم. ليس بمقدور أحد المساس بالنصوص القرآنية، لكن تفسير هذه النصوص يجب أن يظل متحرّكاً. لذلك، نحن لم نخرج على النص الربّاني. لماذا يكون الاجتهاد كفراً مادامت المسوغات لتطوّر الفهم دونما الإخلال بالنص موجودة) ؟.إن أهم ملامح التجديد في فكر الترابي هي:1-تغيير مناهج التعامل مع النصوص من ناحية الفهم والاستنباط، وبالتالي وضع النص على قياس الواقع لا العكس.2- توسيع دائرة الاجتهاد ليشمل المجمع عليه والمتوارث في معظم المدارس الفقهية. كقضايا القوامة والولاية والشهادة وغيرها.3ـ القول بأن من حق العوام الاجتهاد في أمور الدين، أي بمعنى إلغاء حالة الكهنوتية التي يمثلها في كثير من الأحيان رجال الدين من خلال قيامهم ولو بشكل غير مباشر بمهمة الوصل بين المؤمن ودينه،وهو ما يجسده مفهوم يقول: ( المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله)، مما يجعل هذا المريد أسيراً لرؤية هذا الشيخ وفهمه للدين.4 - اتهامه للسلف بتغيير أساسيات في الشرعية بما يتعلق بالأحكام المرتبطة بالمرأة والآخر، إذ يقول (في لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية11/5/2006):( الكثير من علماء المسلمين القدامى عطلوا لفترة ما هذه الأحكام، ثم جاء من خلفهم من العلماء واعتقدوا أن هذا التعطيل مبني على فتوى شرعية بتحريم هذه الأحكام، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاجتهاد).بهذا الفهم طرح الترابي موضوعات تتعارض مع صميم البنية المتوارثة للفكر الاجتماعي السياسي في الإسلام، ومن ذلك:1-من ناحية علاقة الإسلام مع الآخر يرى الترابي أن لا مانع من تولي شخص غير مسلم الرئاسة الأولى في دولة إسلامية إذا ما تحقق فيه (العدل والنزاهة والقدرة على مقاومة التأثير الفاسد للمنصب الحكومي). كما أنه لا يرى وجوب أية عقوبة دنيوية على المسلم الذي يغير دينه (المرتد) باعتبار أن (عقوبة الردة أخروية وليست دنيوية ما لم يصحبها خروج عن الجماعة).2-رأى أن علماء الدين الإسلامي والسلفيين الذين وقفوا ضد أفكاره ظلموا المرأة المسلمة، وعطلوا مشاركتها في الحياة العامة، بعد أن كانت قد حصلت على كل حقوقها في زمن الرسول وزمن الصحابة، مشيراً إلى مشاركتها في الجهاد، وفي اختيار خليفة المؤمنين الذي سيتولى أمور الأمة الإسلامية. وقال الترابي إن الرسول عليه السلام أجاز للمرأة أن تؤم أهل بيتها في الصلاة، وأهل البيت هنا المقصود بهم الحي بأكمله حسب تعبيره. (لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية 11/5/2006). لذلك يرى أنه لا مانع من تولي المرأة رئاسة الدولة وإمامة المسلمين في الصلاة إذا كانت أكثر علماً وفقهاً من الرجال الذين تؤمهم. وبالمنطق نفسه يرى أن شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل.3- ضمن السياقين السابقين لا يرى الترابي مانعاً من زواج المسلمة من مسيحي أو يهودي مع بقائها على دينها معتبراً أن الحرمة التي كانت موجودة مرتبطة بالحرب والقتال بين المسلمين وغيرهم، وتزول بزوال السبب.4-- رفض مبدأ العدل المطلق للصحابة الذي تستند عليه كتب الحديث بشكل عام. وفي هذا الشأن من الممكن الاعتقاد بأن ذلك يفتح الباب على موضوع الشك بصحة الأحاديث.5- رفض مفهوم عصمة الأنبياء، واعتبارهم بشراً يوحى إليهم، وبالتالي فإن الرسول ليس بالضرورة قادراً على تفسير القرآن بمقياس زمن بعد زمنه، لأنه ببساطة لا يعرف شيئاً عن هذا الزمن. ويصيغها الترابي بلهجته السودانية خلال محاضرة في جامعة الخرطوم (30/4/1995): (الرسول بشر مثلنا يوحى إليه ماحَيْفَسر القرآن لهذا اليوم، لأنه لا يعرف هذا اليوم). ويستند في رؤيته لعدم العصمة إلى قصص الأنبياء الواردة في القرآن سواء بمرور النبي إبراهيم الخليل على عبادة الظواهر الطبيعية قبل الوصول إلى عبادة الله الواحد، أو مجادلة النبي يونس لله، أو قصة النبي موسى مع الخضر.إن ما يطرحه الترابي شيء جدير بالقراءة والمتابعة، وقد يكون من أهم نقاطه أنه لم يتبع أسلوب الترقيع الذي اتخذته عدة مراجع إسلامية في سبيل جعل الإسلام مواكباً للعصر (كفتاوى زواج فرند، و المسيار). بل إنه غاص في عمق بنية النص الديني ليخلق منه ثوباً جديداً قادراً على مواكبة العصر والدخول فيه بكل ثبات. مما جعله يواجه الرفض التام من التقليديين دون أن يلقى القبول من بعض الحداثويين المستندين إلى علمانية مستوردة لا تقبل بأقل من التخلص من كامل الموروث الإسلامي الفقهي. ولربما كانت طروحه إحدى المقاربات المهمة للوصول إلى حل موضوعي لمسألة علاقة الدين بالدولة في مجتمعات يشكل الرابط الديني فيها أحد أهم الروابط التي تشكل العلاقات الاجتماعية، ولربما السياسية والاقتصادية، وبالتالي الوقوف بشكل حقيقي مع من يطالب بدولة علمانية متصالحة مع بنية وتاريخ المجتمعات العربية، وإن كان ذلك عن طريق طرح شكل جديد من أشكال الإسلام السياسي لا يعيق حركة تطور الدولة والمجتمع. ويكون بذلك مكوناً من المكونات السياسية التي يأخذ التنافس الشريف والسلمي فيما بينها للوصول إلى الأفضل للمجتمع الطريق الوحيد لقلوب الشعب، ومصلحة الأمة. أرسل من قبل علي يوسف في الخميس, 2006-07-06 10:40.مواطنة | مجتمع | مجتمع ودين | شؤون المرأة
الرد |
بحث
|
منذ 7 أسابيع 3 ساعات
منذ 26 أسابيع 3 أيام
منذ 28 أسابيع يوم واحد
منذ 28 أسابيع 3 أيام
منذ 28 أسابيع 3 أيام
منذ 36 أسابيع 11 ساعات
منذ سنة واحدة 39 أسابيع
منذ سنة واحدة 39 أسابيع
منذ سنة واحدة 39 أسابيع
منذ سنة واحدة 39 أسابيع